. . . . . . . . . . . . . . . .
-
شرح
بل قد يستشعر من هذه المخالفة فيه أنّ المراد بيان أمر آخر ، وهو استحباب المخالفة بين الإمام والمأموم . كما لعلّه يستفاد من خبر أبي خديجة وغيره ، بل ومن خصوص الصحيح المزبور بناءً على إرادة الاجتماع من الأمرين بالقراءة ، والتسبيح ، فيكون قراءة الإمام فيه تحصيلًا لفضيلة المخالفة لا لأفضليّة من حيث الصلاة . ولا ينافيه الأمر بالقراءة مع أنّ المخالفة تحصل بكلٍّ منهما ؛ لاحتمال أنّ الأمر بها من جهة نهي المأموم عن القراءة خلف الإمام - كما في صحيح جميل وغيره من النصوص المذكورة في باب الجماعة - وتوظيف التسبيح له ، فأمر الإمام بها بناءً على محافظة المأموم على وظيفته .
ولذا لو اتّفق احتياج المأموم للقراءة أمر الإمام بالتسبيح كما يومئ إليه خبر أبي خديجة الآتي ( « 1 » ) ، فتأمّل جيّداً .
9 / 330 / 538
بل قد يقال : بأنّ مقتضى الجمع بينه وبين الصحيح المزبور التخيير للإمام ، فيكون حينئذٍ من قبيل النصوص الآمرة بالقراءة منفرداً أو بالتسبيح منفرداً التي لا دلالة في كلّ منهما على أفضلية أحدهما ؛ ضرورة إلغاء ما يشعر به كلّ منهما - من التعيين - بالآخر ، وهذا بخلاف النصوص التي يستفاد منها التعيين من غير جهة ظاهر الأمر ، بل إمّا بالتصريح أو غيره ، فإنّه بعد قيام الإجماع مثلًا على التخيير لا بدّ من تنزيل التعيين المزبور على الأفضليّة ، فتأمّل جيّداً فإنّه ربّما دقّ . وعليه بنينا الاستدلال على أفضلية التسبيح مطلقاً بجملة من النصوص المزبورة . هذا كلّه مع احتمال الصحيح التقيّة .
1 - إمّا لعدم اعتبار وجود قائل بالخصوص فيها ، بل يكفي مجرّد إيقاع الخلاف بين الشيعة كي لا يعرفوا فيؤخذوا .
2 - وإمّا لأنّ المراد بها تعليم التقيّة في العمل ، بمعنى أنّكم إذا كنتم أئمّة فاقرءوا ؛ لأنّه غالباً يحصل في الجماعة منهم ، ولأنّ الإمام منكم ممّا يتجسّس عن أحواله وأفعاله ، ولعلّ ما في صحيح جميل من قوله عليه السلام : « فيسعك » ( « 2 » ) إيماء إليه .
على أنّ المنقول عن أبي حنيفة منهم التخيير بين القراءة والتسبيح والسكوت ، وأنّ القراءة أفضل ( « 3 » ) .
خلافاً للمحكي عن الشافعي فالقراءة ، فأوجبها في الأخيرتين ( « 3 » ) ، ولمالك في ثلاث ركعات من الرباعية ( « 3 » ) ، فلعلّ الأمر بالقراءة لإيهام الوجوب .
وبذلك كلّه بان لك ما في النصوص الباقية خصوصاً خبر محمّد بن حكيم الذي هو مع ذلك ضعيف السند ، وقلّ من أفتى بمضمونه من إطلاق الفضل المستلزم لطرح تلك النصوص رأساً . ومثله التوقيع الذي ظاهره وقوع النسخ بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ووجوب القراءة أو أفضليّتها مطلقاً بقرينة السؤال ، ولفظ الخداج الذي هو بمعنى النقصان كما قيل ( « 6 » ) ، وقد عرفت قلّة المفتي بهما ، وظاهره أيضاً أنّ المراد من قول العالم كلّ ركعة من كلّ صلاة ، وهو كما ترى . وأمّا التأييد بما سمعت فمنه ما هو غير مجدٍ ، ومنه ما هو غير مسلّم ، كدعوى أنّه الأوفق بالاحتياط ؛ إذ فيه : أنّ شبهة القول بوجوب التسبيح أقوى نصّاً وفتوى ، مع الإشكال في الجهر بالبسملة من الفاتحة وعدمه . فلا محيص حينئذٍ بعد ذلك كلّه عن القول بأفضلية التسبيح مطلقاً من حيث الصلاة .
إذ لم يبق معارض لتلك النصوص إلّا خبر عليّ بن حنظلة الذي - مع ضعف سنده - يجب طرحه في مقابلتها أو تأويله بإرادة التسوية في الإجزاء ردّاً على من عيّن القراءة منهم ، أو غير ذلك ، واللَّه أعلم بحقيقة الحال .
هامش
( 1 ) هذا الخبر تقدّم لا أنّه يأتي .
( 2 ) هذا من صحيح منصور ، لا جميل المتقدّمان .
( 3 ) المجموع 3 : 361 .
( 6 ) القاموس المحيط 1 : 390 .