[ والظاهر ] [ 1 ] أنّه لا محيص عن القول بندب الأذان والإقامة مطلقاً . نعم ، هما مختلفان في التأكّد وعدمه ، كاختلاف الأذان في ذلك في الفجر والمغرب والجماعة ، ولعلّ الإقامة فيها مؤكّدة زائداً على تأكدها في غيرها [ 2 ] .
-
شرح
( 1 ) [ كما ] قد ظهر بحمد اللَّه [ ذلك ] .
( 2 ) كما أنّه ظهر لك من نصوص النساء السابقة اختلافهنّ مع الرجال في التأكّد وعدمه الذي هو المشهور بين الأصحاب ، بل لا يعرف فيه خلاف بينهم ؛ إذ لا ريب في مشروعيّتهما لهنّ ، بل الإجماع صريحاً ( « 1 » ) وظاهراً محكيّ عليها ، بل الظاهر أنّه كذلك كما في كشف اللثام ( « 1 » ) ، مضافاً إلى بعض النصوص السابقة وغيرها . لكن ليس في شيءٍ منها الأمر بالإسرار والإخفات ، ومقتضاه الاجتزاء به وإن أجهرت بحيث سمعها الأجانب ، بل في المحكيّ عن المبسوط : « وإن أذّنت المرأة للرجال جاز لهم أن يعتدّوا به ويقيموا ؛ لأنّه لا مانع منه » ( « 3 » ) . ولعلّ ذلك مؤيّد لما ذكرناه سابقاً من عدم ثبوت جريان حكم العورة على أصواتهنّ ، بل مقتضى السيرة المستمرّة في سائر الأعصار والأمصار - وما وصل إلينا من النصوص المتضمّنة كلامهم عليهم السلام معهنّ زائداً على الواجب - خلاف ذلك ، فيتّجه حينئذٍ اجتزاؤهنّ به وإن سمعهنّ الأجانب . نعم قد يشكل ما في المبسوط بأنّ ذلك - على تقدير تسليمه - لا يقتضي اجتزاء الرجال به ، اقتصاراً على المتيقّن في سقوطه عنهم ، ودعوى شمول إطلاق الأدلّة أو قاعدة الاشتراك لذلك في غاية الصعوبة .
كما أنّه قد يشكل اجتزاؤهنّ به مع سماع الأجانب بالشهرة العظيمة على اشتراط الإسرار ، بمعنى عدم سماع الأجانب ، بل عن المنتهى والتذكرة نسبته إلى علمائنا ( « 3 » ) مشعراً بدعوى الإجماع عليه ، ولذا ضعّفوا ما سمعته عن الشيخ بأنّها إن أجهرت عَصت ، والنهي يدلّ على الفساد ، وإن أسرّت لم يجتزأ به ، بل عن المختلف زيادة : أنّه لا يستحب لهنّ ، فلا يسقط به المستحب ( « 5 » ) . وكأنّ بناء الجميع على عوريّة صوتها ، ولذا ذكر غير واحد اعتداد المحارم به كالنساء ؛ لجواز سماعهم أصواتهنّ ، فيتّجه حينئذٍ عدم الاعتداد به لحرمته ، وظاهرهم المفروغيّة من ذلك . نعم في الذكرى : « إلّا أن يقال : ما كان من قبيل الأذكار وتلاوة القرآن مستثنى كما استثني الاستفتاء ونحوه » ثمّ قال : « ولعلّ الشيخ يجعل سماع الرجال صوت المرأة في الأذان كسماعها صوته فيه ، فإنّ صوت كلٍّ منهما بالنسبة إلى الآخر عورة » ( « 6 » ) . لكنّ الجميع كما ترى ، خصوصاً ما سمعته من المختلف الذي يمكن دعوى الإجماع على خلافه . كما أنّ الإجماع المزبور - الذي مبناه على الظاهر كون صوت المرأة عورة - يمكن منعه أيضاً بما عرفت ، وإلّا فإن تمّ اتّجه عدم الاستثناء لعدم الدليل . واحتمال الاجتزاء به - لرجوع النهي لأمر خارج - غلط واضح ؛ إذ اللفظ إنّما هو صوت خاصّ ، فمع فرض حرمته لا يتصوّر التقرّب به . ومثله احتمال الاجتزاء به مع إسرارهنّ لعدم توقّفه على السماع ، وإلّا لم يسقط عمّن جاء قبل تفرّق الجماعة ؛ ضرورة أنّ القول بذلك للدليل الخاصّ لا يقتضي الاعتداد به في نحو الفرض ، أقصاه أنّه يمكن دعواه مثلًا فيمن جاء قبل تفرّق جماعتهنّ ؛ لعدم المحذور فيه . إلّا أنّه يشكل بما عرفت من المناقشة في شمول أدلّة الاعتداد بمثله على تقدير عدم كون صوتها عورة . وعلى كلّ حال ففي الذكرى : أنّ الخنثى المشكل في حكم المرأة تؤذّن للمحارم من الرجال والنساء ، ولأجانب النساء دون أجانب الرجال ( « 6 » ) . وفي جامع المقاصد : « الخنثى كالمرأة في ذلك ، وكالرجل في عدم جواز تأذين المرأة لها » ( « 5 » ) . وكأنّهما بنيا ذلك على مراعاة الاحتياط فيها الذي قد ادّعي وجوبه في مثل العبادة ، وإلّا فقد يتّجه التمسّك بأصالة البراءة عن حرمة سماع صوتها ، فتشملها حينئذٍ إطلاق الاعتداد بأذان الغير الذي لم يقيّد بالرجال ، بل أقصاه خروج النساء عنه ، فيقتصر على المعلوم منهنّ .
هامش
( 1 ) المدارك 3 : 259 . كشف اللثام 3 : 352 .
( 3 ) المبسوط 1 : 97 . المنتهى 4 : 398 . التذكرة 3 : 63 .
( 5 ) المختلف 2 : 124 . جامع المقاصد 2 : 168 .
( 6 ) الذكرى 3 : 219 .