. . . . . . . . . . . . . . . .
-
شرح
لها لم تبطل إلّا معه على الأقوى كما في المبسوط والشرائع والتحرير والمنتهى » ( « 1 » ) وظاهره حمل ما في المتن وغيره ممّا وافقه على ما إذا لم يكن متذكّراً للمنافاة . وفيه : أنّه لا إشكال في الصحة حينئذٍ ؛ لوجود المقتضي بلا معارض ، فلا يناسبه التعبير بالأقوى ونحوه . وكأنّ الذي ألجأه إلى ذلك دعوى وضوح ما ذكره من أنّه إن كان متذكّراً لم ينفكّ عن قصد الخروج الذي قال الفاضل وغيره فيه بالبطلان . وإليه يرجع ما في جامع المقاصد : معترضاً به على من فرّق بين المسألتين من أنّ « الفرق بين المسألتين غير ظاهر ؛ لأنّ الخروج من الصلاة من جمله المنافيات ، ونيّته كنيّة غيره من المنافيات » ثمّ قال : « فإن قلت : المنافي سبب في الخروج من الصلاة لا عينه ، فافترقا . قلت : هذا الفرق غير مؤثّر ؛ فإنّ البطلان منوط بوجود المنافي وعدم بقاء الصلاة مع واحد منهما قدر مشترك بينهما ، فإن كانت نيّة أحدهما منافية فنيّة الآخر كذلك » ( « 2 » ) . بل إليه يرجع المعروف في الاستدلال عليه بتنافي إرادتي الضدّين ، حتى أنّ بعضهم ( « 3 » ) جعل منشأ إشكال الفاضل في الصحة الإشكال في تنافي الإرادتين . وعلى كلّ حال فقد ضعّفه في المدارك بأنّ « تنافي الإرادتين - بعد تسليمه - إنّما يلزم منه بطلان الأولى بعروض الثانية ، لا بطلان الصلاة مع تجدّد النية الذي هو موضع النزاع » ( « 4 » ) . وهو جيّد ، إلّا أنّه - كما ترى - قاضٍ باختصاص محلّ النزاع في ذلك الذي مقتضى الإطلاق خلافه . نعم في جامع المقاصد : « ينبغي أن يكون موضع الإشكال ما إذا اجتمعت هذه النيّة مع نيّة الصلاة ، فلو حصلت بعد عزوب نيّة الصلاة فالمناسب القطع بالبطلان ؛ لانتفاء نيّة أخرى لتكون مكافئة ، واستدامة النيّة ضعيفة ؛ لأنّها أمر حكمي عدمي . والأصحّ البطلان ؛ لعدم بقاء الجزم بالنيّة مع ذلك التقييد ( « 5 » ) ، ومن ثمّ لو شرع في الصلاة بهذا القصد لم تصح ، والجزم بالنيّة معتبرٌ إلى آخر الصلاة ، وإلحاق الصلاة بالحج في عدم البطلان بنيّة المنافي قياس من غير جامع » ( « 2 » ) .
قلت : التحقيق عدم تنافي إرادتي الضدين ، وامتناع اجتماعهما في الخارج لا يستلزم تنافيهما قطعاً :
1 - لعدم الاستحالة في إرادة المحال .
2 - على أنّ تنافيهما إن سلّم فليس لذاته بل للصارف ، ويمكن أن لا يكون موجوداً لكلٍّ منهما . كما أنّ التحقيق أيضاً عدم لزوم ذلك لقصد الخروج الذي هو إنشاء قطع الصلاة ورفع اليد عنها . فمن الغريب ما سمعته من جامع المقاصد من أنّ الخروج كباقي المنافيات فنيّته كنيّتها ؛ ضرورة وضوح الفرق بين نيّة الخروج بالمنافي من حيث منافاته وبين إنشاء الخروج والقطع الذي هو المراد من نيّة الخروج ، لا أنّه نوى الخروج كنيّة فعل المنافي ، كما هو واضح بأدنى تأمّل .
كلّ هذا مع التنزّل ، وإلّا فقد عرفت عدم البطلان بنية الخروج فضلًا عمّا يستلزمها ، كما أنّك عرفت ممّا سبق عدم الفرق في نيّة المنافي بين ابتداء الصلاة وبين الأثناء في ذلك ، ولعلّه عند التأمّل كاحتمال المنافي في الأثناء الذي لا يمنع النيّة عند التأمّل . وعدم بطلان الحج بنيّة المنافي ليس لدليل يقضي بصحّته بلا نيّة ، بل لأنّه غير منافٍ لها ، فلا فرق حينئذٍ بينه وبين الصلاة ، والجزم بالنيّة شيء والسلامة من العوارض شيء آخر .
ومن ذلك كلّه ظهر لك أنّ ما في جامع المقاصد : « ينبغي . . . إلى آخره » لا يخلو من نظر ، فتأمّل جيّداً ، واللَّه أعلم .
هامش
( 1 ) كشف اللثام 3 : 410 - 411 .
( 2 ) جامع المقاصد 2 : 226 .
( 3 ) الإيضاح 1 : 103 .
( 4 ) جامع المقاصد 3 : 315 .
( 5 ) في المصدر : « القصد » .