تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
. . . . . . . . . . . . . . . . -
شرح
خطور الغاية في الذهن عند الفعل ، بل يكفي وجودها في الخزانة ، بل لا يتوقّف على تصوّر الفعل حين الفعل ، بل تصوّره السابق مجزٍ ، بل تعيينه السابق - حيث يكون متعدّداً - أيضاً كافٍ . نعم قد يحتاج إلى خصوص التعيين إذا فرض عدم انبعاث الإرادة المؤثّرة في وقوعه عن تصوّر غاية الفعل المعيّن . ولعلّ الحكم في النصوص ( « 1 » ) - بكون ما في يده من الأفعال لما قام لها من الفريضة - يومئ إلى بعض ما ذكرناه على أحد الوجهين ؛ إذ يمكن أن يكون ذلك لانبعاث تلك الإرادة عن التعيين الذي حصل في الذهن ووقع القيام له . فظهر من ذلك أنّه لا يتوقّف في كون الفعل منويّاً مقصوداً به الامتثال على أزيد من مقارنته أوّل الفعل لتلك الإرادة المنبعثة عمّا عرفت . ولا يحتاج إلى خطور غيرها فضلا عن الاستحضار الذي هو في الحقيقة علم بالخطور والتفات آخر للقلب إلى ما حصل فيه من تلك الإرادة ، كباقي المعاني التي تحصل للإنسان من الفرح والهمّ والغمّ والجوع والشبع ونحوها ، فإنّ حصولها شيء ، والعلم بحصولها شيء آخر . ومن الواضح عدم توقّف حصولها على تصوّره والالتفات إليه والعلم به ، فحينئذٍ حصول القصد إلى الفعل غير محتاج إلى الاستحضار المزبور والإخطار ؛ إذ لا يكاد يخفى على ذي مسكة وقوع الأفعال من الفاعلين - على وجه يعدّون به من المختارين غير الغافلين والساهين - من دون تصوّر القصد المتعلّق بها وبلا التفات للنفس إلى ذلك ، والعلم بوجود المكلّف به واقعاً أو شرعاً أمر آخر لا مدخليّة له فيما نحن فيه ؛ إذ يكفي فيه حصوله ولو بعد الفراغ من الفعل فضلًا عن حال النيّة . على أنّ ما ذكروه من الإخطار لو كان منشؤه ذلك لوجب في سائر أفعال الصلاة ؛ ضرورة توقّف الجميع على حصول العلم بالمكلّف به ، على أنّ حصول القصد المقارن للفعل ضروري للنفس غير محتاج إلى التفاتها إليه ، فهو كالوجع غير محتاج العلم به إلى الإخطار المزبور . والذي أظنّه أنّ الأصحاب أجلّ من أن يخفى عليهم ذلك . وقد صرّحوا بأنّ النيّة أمر بسيط هو القصد إلى الفعل المعيّن ( « 2 » ) . إلّا أنّهم لمّا أرادوا تصوير ذلك باللفظ لإفهام المكلّفين - ولم يكن ثَمَّ لفظ موضوع للدلالة مطابقةً على نفس القصد المزبور - احتاجوا في بيانه إلى لفظ « اصلّي » ونحوه ممّا معناه « أقصد » الذي هو زائد على نفس حصول القصد ؛ إذ هو كقولك : « أطلب الضرب » الذي يدلّ بالالتزام على النسبة الناقصة التي هي حصول الطلب في النفس . ولعلّهم يريدون من لفظ « أقصد » المعنى الإنشائي الذي [ هو ] عين تعلّق القصد بالمقصود ، فلا يكون زائداً على ما ذكرناه من الداعي . وقولهم : « إخطار » و « استحضار » ونحوهما يراد به حيث يكون المكلّف خالياً من التصوّر السابق التي تكون الإرادة منبعثة عنه وكان الخطور موقوفاً عليهما ، أو نفس خطور القصد المزبور بحيث لا يكون غافلًا ولا ساهياً ولا موجداً للفعل بإرادة أخرى منبعثة عن غرض آخر ، لا أنّ مرادهم تصوّر خطور القصد الذي لا مدخلية له في وجوده كما هو واضح . ومن ذلك ونحوه ظنّ متأخّرو المتأخّرين ( « 3 » ) من هذه الألفاظ في كلامهم اعتبارهم هذا التصوّر في تحقّق النيّة مع وضوح عدم توقّف شيء من الأفعال على ذلك ، على أنّه ربّما كان الداعي إلى كثرة ما سمعته من الكلام وزيادة الإيضاح شدّة الاحتياط في العبادة وشدّة اعتبار النيّة فيها ، وأنّها في الأعمال بمنزلة الروح في البدن . مضافاً إلى ما في بعض النصوص من بيان حكمة رفع اليدين بالتكبير بأنّ فيه إحضار النيّة وإقبال القلب على ما قصد ( « 4 » ) ممّا يشعر برجحان الإخطار المزبور ، واللَّه أعلم .
هامش
( 1 ) الوسائل 6 : 6 ، 7 ، ب 2 من النيّة ، ح 1 ، 3 . ( 2 ) المسالك 1 : 196 . ( 3 ) الحدائق 8 : 15 . ( 4 ) الوسائل 6 : 29 ، ب 9 من تكبيرة الإحرام ، ح 11 .