[ ولا يجب في النيّة الاخطار الذي هو حديث فكري وتصوّر قلبي ، بل يكفي فيها الداعي ] .
والظاهر أنّ [ المراد ] [ 1 ] به [ أي الداعي ] الإرادة - المسمّاة بالباعث في لسان الحكماء - المؤثّرة في وجود الفعل من الفاعل المختار المنبعثة عن تصوّر الغاية والإذعان بها [ 2 ] .
[ على وجه يخرج به عن الغافل والساهي ] .
[ ويكفي في تصوّره حصوله إجمالًا ولو بعد الفراغ من الفعل ] .
-
شرح
( 1 ) [ كما هو ] مرادهم [ بذلك ] .
( 2 ) وكشف الحال أنّ القلب له معنيان :
أحدهما : اللحم الصنوبري الذي في تجويفه دم أسود . والثاني : لطيفة ربّانية روحانيّة لها تعلّق بالقلب الجسماني ، وهو المُدرِك من الإنسان والمكلَّف المخاطب ؛ إذ به يمتاز الإنسان عن سائر الحيوانات ، بل هو حقيقة الإنسان بخلاف الأوّل المشترك بينه وبين غيره ، ويطلق عليه بهذا المعنى العقل ، بل ربّما اطلق عليه اسم الروح والنفس ، كما أنّه قد يطلقان على غيره ، بل العقل أيضاً قد يطلق على غير المعنى المزبور .
ثمّ إنّ للقلب جنوداً ؛ وذلك لأنّه لمّا كان اكتساب الكمالات الإنسانية موقوفاً على البدن فلا بدّ من حفظه بجلب ما يوافقه ودفع ما ينافيه ، فأنعم اللَّه تعالى على القلب بجندين : باطن وهو الشهوة ، وظاهر وهو آلتها . ولمّا توقّف الشهوة للشيء والنفرة عنه على معرفة ذلك أنعم اللَّه عليه في المعرفة بجندين باطنيّين ، أحدهما : الإدراكات الخمس ، ومنازلها الحواسّ الخمس الظاهرة .
وثانيهما : القوى الخمس ، ومنازلها تجويف الدماغ ، فإذا علم الموافق اشتهاه وانبعث على جلبه ، وإذا علم المنافر نفر عنه وانبعث على دفعه ، والباعث يسمّى إرادة ، وهي المعبّر عنها عند الأصحاب بالداعي ؛ لأنّها هي التي تدعو لوقوع الفعل ووجوده في الخارج ، بل ربّما كانت العلّة التامة فيه باعتبار أنّها جزء أخير ، والمحرّك للأعضاء قدرة . فجميع جنود القلب ثلاثة : الإرادة والقدرة والقوى الدرّاكة الظاهرة والباطنة .
ولمّا اصطحبت في الإنسان هذه الجنود اجتمعت فيه أربعة أوصاف :
1 - سبعيّة تحمله على العداوة .
2 - وبهيمية تحمله على الشره والحرص .
3 - وربّانية تحمله على الاستبداد والانسلال من القيود السفلانية والإطلاق عن ربقة العبودية .
4 - وشيطانية تحمله على المكر والخديعة .
فمن تسخّرت نفسه للصفة الربّانية فحبل اللَّه قصده والآخرة مستقرّه ، والدنيا منزله ، والبدن مركبه ، واللسان ترجمانه ، والأعضاء خدمه ، والحواس جواسيسه ، تؤدّي ما تطّلع عليه من المحسوسات إلى الخازن ، وهو القوّة الخيالية ، ثمّ يعرض الخازن ذلك على - الملك أعني حقيقة الإنسان - فتقتبس منه ما يحتاج إليه في تدبير منزله ونيل السعادة في آخرته ، ولتمام تحقيق هذه المطالب محل آخر . إنّما المراد بيان أنّ الداعي عبارة عن تلك الإرادة المؤثّرة في وجود الفعل المنبعثة عن تصوّر غاية الفعل ، وبها يكون الفعل منويّاً .
إلّا أنّه إذا كان عبادة اعتبر فيها كونها منبعثة عن إرادة قصد الامتثال وما تصوّر له من الغايات وأذعن بها ، ولا يتوقّف ذلك على