تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
[ والنيّة في العبادة كالنيّة في غيرها من أفعال العقلاء ، وهي القصد ] . نعم يعتبر الإخلاص في العبادة الذي هو عبارة عن وقوع الفعل بقصد الامتثال للسيّد المنعم باعتبار ما قام في النفس ودعاها إلى الفعل من الألطاف ورجاء الثواب ودفع العقاب ، وهو أمر آخر خارج عن النيّة التي هي بمعنى القصد للفعل [ 1 ] . أمّا هو [ / الإخلاص ] ففي غاية الصعوبة في بعض العبادات ؛ لاحتياجه إلى الرياضة التامة القالعة للقوى النفسانية وآثارها من حيث الشهرة والرئاسة وغيرهما من الآفات المهلكة والأمراض القاتلة ، نسأل اللَّه العافية منها [ 2 ] . ف [ - الظاهر ] [ 3 ] أنّ المدار على صدق الامتثال ، من غير فرقٍ بين تعدّد الأمر واتّحاده ، سوى أنّه يتوقّف في الأوّل على تعيين الأمر ، بخلاف الثاني الذي اتّحاده مع قصد امتثاله يكفي في تعيينه [ 4 ] . -
شرح
( 1 ) الذي لو كلّف اللَّه بالفعل بدونه [ / القصد ] لكان كالتكليف بما لا يطاق ؛ ضرورة خروج صدور الفعل مع الغفلة عن القدرة ، ولذا قبح تكليف الغافل ونحوه . ( 2 ) وإلّا فوجوب القصد المزبور - الذي يخرج به الفعل عن كونه فعل غافل - ضروريّ في المعاملة ، فضلًا عن العبادة التي من مقوّماتها تعلّق الأمر بها والاجتزاء ببعض الأفعال من الغافلين - كحفر القبر ونقل الميت ونحوهما ؛ للدليل الخاص الظاهر في أنّ المراد وجودها في الخارج كيفما كان وإن لم يعدّ مثله امتثالًا وطاعة - غير قادح في قاعدة اعتبار القصد في كلّ فعل تعلّق به حكم شرعي بناءً على ثبوتها [ / هذه القاعدة ] ، وإن كان إقعادها في سائر الأفعال التي منها حيازة المباحات وتفرّق المجلس في الصرف لا يخلو من نظر . أمّا العبادات فلا إشكال في اعتبار القصد فيها ؛ لعدم صدق الامتثال والطاعة بدونه ، واعتبارهما في كلّ أمر صدر من الشارع معلوم بالعقل والنقل كتاباً وسنّة ، بل ضرورة من الدين ، بل لا يصدقان إلّا بالإتيان بالفعل بقصد امتثال الأمر فضلًا عن مطلق القصد ؛ ضرورة عدم تشخّص الأفعال بالنسبة إلى ذلك عرفاً إلّا بالنيّة ، فالخالي منها عن قصد الامتثال والطاعة لا ينصرف إلى ما تعلّق به الأمر ؛ إذ الأمر والعبثية فضلًا عن غيرها على حدّ سواء بالنسبة إليه ومن هنا إذا كان الأمر متعدّداً توقّف صدق الامتثال على قصد التعيين ؛ لعدم انصراف الفعل بدونه إلى أحدهما . واحتمال الاجتزاء بالإتيان بالفعل بقصد امتثال كلّي الأمر - فيكون كالأمر المتّحد بمأمور به متعدّد - يدفعه : أنّ العقل والنقل قد تطابقا على وجوب امتثال كلّ أمرٍ أمرٍ للشارع بخصوصه ، ولا ريب في عدم صدق امتثال خصوص كلٍّ منهما في الفرض ؛ لما عرفت من عدم انصراف الفعل بدون النيّة . ولذا لم يحكم به لأحدهما بالخصوص فيما لو أوقع الفعل مرّة واحدة لا ظاهراً ولا واقعاً . نعم لو فهم من الأدلّة عدم إرادة الخصوصيّة من التعدّد ، وأنّه كالأمر المتّحد بتكرار الفعل لم يحتج في الامتثال حينئذٍ إلى أزيد من قصد الفعل بعنوان الامتثال . ( 3 ) [ كما اتضح ] من ذلك [ / ما تقدّم ] كلّه . ( 4 ) نعم قيل : الظاهر عدم كفاية الاتحاد واقعاً فيه [ / في صدق الامتثال ] مع التعدّد بزعم المكلّف جهلًا أو نسياناً أو عصياناً ؛ لعدم صدق الامتثال عرفاً لو أوقعه مردّداً أو بعنوان ما زعمه من الأمر ( « 1 » ) . وتسمع تحقيق الحال فيه إن شاء اللَّه عن قريب . وعلى كلّ حال ، فلا إشكال في اعتبار قصد الامتثال والتعيين [ في صحة العبادة ] على الوجه الذي ذكرناه ، والظاهر أنّ الأوّل هو مراد الأصحاب بنيّة القربة التي لا خلاف معتدّ به في وجوبها .
هامش
( 1 ) حاشية المدارك 3 : 8 .
جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 117 | الشيخ محمد حسن النجفي الجواهري (صاحب الجواهر) / مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي