بل قد يقال بعدم الجواز أيضاً مع الانفصال ( 1 ) . لكنّ الإنصاف عدم خلوّ الجواز من قوّة ( 2 ) . كما أنّ الإنصاف انسياق المأكولة من الثمرة ( 3 ) ، فلا يشمل غير المأكول منها كثمرة الشوك والحنظل ونحوهما من النباتات ( 4 ) . بل الظاهر ( 5 ) أنّ المراد ممّا اكل أو لُبس الإشارة إلى ما في أيدي الناس من المآكل والملابس ( 6 ) .
شرح
( 1 ) 1 - لأنّه بعض الثمرة ، ومعلوم إرادة النهي عن السجود على الثمرة وأبعاضها من النهي عنها .
2 - خصوصاً مع قاعدة الشغل ونحوها .
( 2 ) للشكّ في شمول المستثنى لمثله ، فيبقى مندرجاً في المستثنى منه .
( 3 ) خصوصاً مع ملاحظة التعليل [ المتقدّم ] .
( 4 ) ولذا اقتصر الأصحاب على استثناء المأكول ، وإلّا فلا تنافي بين ما استثني فيه المأكول من النصوص وما استثني فيه الثمرة إلّا بالعموم والخصوص المطلق ، فلولا انسياق ما ذكرنا من الثمرة لكان المتجه استثناءها ، لا خصوص المأكول منها .
( 5 ) [ كما هو ] المنساق إلى الذهن ، سيّما مع التعليل .
8 / 420 / 695
( 6 ) لا أنّ المراد التعليق على الاعتياد وعدمه - كالمكيل والموزون - المتّجه فيه على هذا التقدير أحد الوجوه الثلاثة : الذي هو الاختلاف باختلاف الأزمنة أو الأمكنة أو الأحوال ؛ حتى أنّه لو فرض تعارف أكل نبات مدة من الزمان ثمّ تعارف عدمه تبعهما الجواز وعدمه في ذلك ، ولو كان في قطر دون الآخر جاز لأهل أحدهما دون الآخر ، ولو فرض اتفاق مرور أهل أحدهما بالآخر ففي كون المدار على الأرض أو الشخص وجهان ، حتى لو فرض اعتياده كأهل القطر في الأكل وعدمه ، إلى غير ذلك من الأحكام التي لا يخفى على من له أدنى درية في الفقه فسادها . فما في التذكرة : « لو كان معتاداً عند قوم دون آخرين عمّ التحريم » « 1 » وجامع المقاصد : « المراد بالمأكول ما صدق عليه اسم المأكول عرفاً ؛ لكون الغالب أكله ولو في بعض الأقطار » إلى أن قال : « ولو اكل شائعاً في قطر دون غيره فهو مأكول على الظاهر ؛ إذ لا يطّرد أغلبيّة أكل شيء في جميع الأقطار ، فإنّ الحنطة مثلًا لا تؤكل في بعض البلاد إلّا نادراً » « 2 » ونحوه في فوائد الشرائع والمسالك والمدارك « 3 » وغيرها ، مع احتمال اختصاص كلّ قطر بمقتضى عادته قويّاً في الأخير تبعاً للمحكيّ عن مقاصد جدّه « 4 » ومجمع أستاذه « 5 » . إن أريد به ما ذكرنا فمرحباً بالوفاق ، وإلّا كان للنظر فيه مجال . كالمحكيّ عن السيد عميد الدين من أنّ « المراد بالعادة العادة العامّة ، فلو كان معتاداً في بلد دون آخر ففيه وجهان ، أرجحهما جواز السجود » 6 وإلّا فالبلاد الواحدة لا عبرة بها قطعاً ، ولذا فرض موضوع المسألة القطر في كلام من عرفت . وإن كان التحقيق عدم العبرة بكلٍّ منهما [ البلد والقطر ] ؛ فإنّ المأكولية لا تتوقّف على شيء منهما ، فإنّ المخلوقات للأكل معلومة لسائر الناس ، بل فطرت طبائعهم على معرفتها ، واتّفاق عدم استعمال جملة من الناس لجملة منها - استغناءً منهم بغيرها ممّا هو أطيب منها - لا يرفع وصف استعدادها للأكل ، وأنّها ممّا خلقت واستعدّت له . كما أنّ أكل جملة من الناس لبعض النباتات في زمن الربيع أو غيره لا يصيّرها منها ، ولعلّ منه أكل أصول البردي عند السواد . والحاصل : المآكل - التي علّل في الصحيح عدم السجود عليها بأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون - معلومة معروفة لا تدور مدار الاعتياد المختلف في الأزمنة والأمكنة والأحوال وعدمه .
هامش
( 1 ) التذكرة 2 : 437 .
( 2 ) جامع المقاصد 2 : 159 .
( 3 ) فوائد الشرائع ( حياة الكركي ) 10 : 140 . المسالك 1 : 177 - 178 . المدارك 3 : 245 .
( 4 ) المقاصد العلية : 186 .
( 5 ) 5 ، 6 مجمع الفائدة والبرهان 2 : 127 . نقله في مفتاح الكرامة 2 : 246 .