. . . . . . . . . .
شرح
ج - وفي خبر الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عليهما السلام : « أنّ عليّاً عليه السلام سئل عن الرجل يصلّي فيمرّ بين يديه الرجل والمرأة والكلب والحمار ؟ فقال : إنّ الصلاة لا يقطعها شيء ، ولكن ادرءوا ما استطعتم ، هي أعظم من ذلك » « 1 » .
وقد فهم الشهيد في الذكرى وغيره من هذه النصوص استحباب الدفع للمصلّي مضافاً إلى استحباب السترة ، نعم قال بعد ذلك :
« هل كراهة المرور وجواز الدفع مختص بمن استتر أو مطلق ؟ نظر ؛ من حيث تقصيره وتضييعه حقّ نفسه ، وفي كثير من الأخبار التقييد بما إذا كان له سترة ثمّ لا يضرّه ما مرّ بين يديه ، ومن إطلاق باقي الأخبار ، ويمكن أن يقال بحمل المطلق على المقيّد » « 2 » ، بل قال أيضاً : « لو احتاج في الدفع إلى القتال لم يجز ، ورواية أبي سعيد الخدري وغيره عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « فإن أبى فليقاتله فإنّما هو شيطان » « 3 » للتغليظ أيضاً ، أو يحمل على دفاع مغلّظ لا يؤدّي إلى حرج أو ضرر » « 4 » .
قلت : يمكن أن يقال : إنّ المراد بالإدراء الكناية عن التستّر الذي هو المدافعة بالتي هي أحسن ؛ ضرورة ظهور النصوص بل صراحتها - كما اعترف هو - في أنّه مع السترة لا يضرّه بعدُ مرور المارّ ؛ لكونه مستوراً ولو شرعاً كالتستّر بالعنزة ونحوها . وإليه أومأ الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير السابق بقوله : إنّه « إن كان بين يديك قدر ذراع رافع من الأرض فقد استترت » « 5 » ونحوه غيره « 6 » .
فحينئذٍ لا يحتاج إلى الدفاع حتى لو مرّ فيما بينه وبين السترة فضلًا عمّا لو مرّ من خلفها ؛ لأنّ ذلك المرور منه كعدمه بعد السترة . أو لأنّه إنّما يقدح المرور المتعارف ، والفرض أنّه قد توقّى عنه ، وغيره لم يثبت الأمر بالتحرّز عنه ؛ لإطلاق الأدلّة الظاهر في الإجزاء .
ولعلّ الإنكار في النصوص السابقة على من نهى عن المرور إنّما كان لوجود السترة منهم عليهم السلام . بل قد يؤيّد ذلك أنّ مرور المارّ إنّما هو في أرض مباحة ونحوها ممّا يجوز له المرور فيه ، فلا يستحقّ الدفع والرمي بالحجر ونحوهما من أنواع الأذى المشهورة بين العامّة العمياء ؛ حتى أنّه يحصل منهم بذلك بعض الأحوال المشابهة لأحوال الكلاب والخنازير عند مزاحمتها ، بل ربّما توصّلوا إلى جواز المقاتلة معه ؛ لخبر أبي سعيد الخدري المتقدّم الذي قد روي نحوه عن دعائم الإسلام عن علي عليه السلام : أنّه سئل عن المرور بين يدي المصلّي ؟ فقال : « لا يقطع الصلاة شيء ، ولا تدع من يمرّ بين يديك ولو قاتلته » « 7 » . وحمله في الحدائق « 8 » على ما سمعته من الذكرى من التغليظ والمبالغة في الدفع . ولعلّ ما نراه الآن من بعض السواد من الشيعة مأخوذ من أحوال العامّة المزبورة .
ولا يخفى على الخبير بلسان الشرع - العارف بأحكامه وسهولته وإرادته اليسر وشرع أحكامه على ما يستحسن عند سائر العقول - أنّ ذلك كلّه ممّا هو منافٍ لمذاق الشريعة . فلا يبعد - واللَّه أعلم - حمل نصوص الدرء على إرادة التستّر لا المدافعة المزبورة التي ربّما كانت محرّمة على المصلّي ، كما أنّ المرور ربّما كان واجباً على المارّ أو مستحبّاً أو مباحاً .
هامش
( 1 ) المصدر السابق : 136 ، ح 12 .
( 2 ) الذكرى 3 : 106 - 107 .
( 3 ) صحيح البخاري 1 : 135 - 136 .
( 4 ) الذكرى 3 : 106 .
( 5 ) تقدّم في ص 615 .
( 6 ) الوسائل 5 : 136 ، ب 12 من مكان المصلّي ، ح 2 .
( 7 ) دعائم الإسلام 1 : 191 . المستدرك 5 : 409 ، ب 4 من قواطع الصلاة ، ح 2 .
( 8 ) الحدائق 7 : 245 .