ثمّ لا يخفى عليك أنّه لا إشكال ( 1 ) في الصحّة مع فرض عدم الرجوع ، من غير فرق بين الإذن بالصلاة ، أو الكون صريحاً أو فحوى .
8 / 300 / 496
ومنه يعلم حينئذٍ أنّه لو كان مكرهاً على الكون في المكان لحبس بباطل من المالك أو غيره لا على هيئة مخصوصة ، أو خوف على النفس أو غير ذلك من وجوه الإكراه ، تصحّ منه صلاة المختار ؛ ضرورة عدم الفرق بينه وبين المأذون في الكون بعد اشتراكهما في اباحته وحلّيته .
نعم ، لو استلزمت الصلاة تصرّفاً زائداً على أصل الكون لم يجز ؛ لعدم الإذن فيه ، لا ما إذا لم تستلزم ( 2 ) .
شرح
( 1 ) عندهم .
( 2 ) فإنّها حينئذٍ أحد أفراد الكون الذي فرض الإذن فيه .
على أنّ القيام والجلوس والسكون والحركة وغيرها من الأحوال متساوية في شغل الحيّز ، وجميعها أكوان ، ولا ترجيح لبعضها على بعض ، فهي في حدّ سواء في الجواز ، وليس مكان الجسم حال القيام أكثر منه حال الجلوس . نعم يختلفان في الطول والعرض ؛ إذ الجسم لا يحويه الأقلّ منه ، ولا يحتاج إلى أكثر ممّا يظرفه كما هو واضح بأدنى تأمّل .
ومن الغريب ما صدر من بعض متفقّهة العصر ، بل سمعته من بعض مشايخنا المعاصرين من أنّه يجب على المحبوس الصلاة على الكيفيّة التي كان عليها أوّل الدخول إلى المكان المحبوس فيه ، إن قائماً فقائم ، وإن جالساً فجالس ، بل لا يجوز له الانتقال إلى حالة أخرى في غير الصلاة أيضاً ؛ لما فيه من الحركة التي هي تصرّف في مال الغير بغير إذنه . ولم يتفطّن أنّ البقاء على السكون الأوّل تصرّف أيضاً لا دليل على ترجيحه على ذلك التصرّف ، كما أنّه لم يتفطّن أنّه عامل هذا المظلوم المحبوس قهراً بأشدّ ما عامله الظالم ، بل حبسه حبساً ما حبسه أحد لأحد . اللهم إلّا أن يكون في يوم القيامة مثله ، خصوصاً وقد صرّح بعض هؤلاء أنّه ليس له حركة أجفان عيونه زائداً على ما يحتاج إليه ، ولا حركة يده أو بعض أعضائه كذلك ، بل ينبغي أن تخصّ الحاجة في التي تتوقّف عليها حياته ونحوها ممّا ترجح على حرمة التصرّف في مال الغير . وكلّ ذلك ناشٍ عن عدم التأمّل في أوّل الأمر والأنفة عن الرجوع بعد ذلك ، أعاذ اللَّه الفقه من أمثال هذه الخرافات .
وأغرب شيء دعواهم أنّ الفقهاء على ذلك ، ولم يتأمّل أنّهم لو أرادوا ذلك وجب المبالغة في تحريره وإظهاره وبيان مقدار الجائز من حركاته وسكناته وغير الجائز ، بل كان من الأمور العجيبة في الفقه المحتاجة إلى كمال الإطناب في موضوع الحكم ودليله ، ولا كان ينبغي ذكرهم المحبوس مع جاهل الغصب ونحوه المشعر باتّحاد كيفيّة الصلاة فيهما ، قال العلّامة الطباطبائي في منظومته :واستثن مغصوباً من المكان * لعالم بالغصب ذي إمكان
فما على الجاهل والمضطر * شيء سوى ضمانه للأجر « 1 »وفي الروضة بعد أن ذكر المنع في المغصوب قال : « كلّ ذلك مع الاختيار ، أمّا مع الاضطرار كالمحبوس فيه فلا منع » « 2 » .
هامش
( 1 ) الدرّة النجفية : 92 .
( 2 ) الروضة 1 : 211 .