[ بل هي حقيقة - وهذا هو المعنى الحقيقي الشرعي له - في الركعة الواحدة التي هي آخر صلاة الليل ] ( 1 ) .
شرح
( 1 ) إنّما الكلام في تعيين المعنى الحقيقي للوتر شرعاً بحيث إذا اطلق يحمل عليه ، وقد اختلف فيه أصحابنا وغيرهم - بعد الاتفاق من الجميع على نقله عن معناه الأصلي ووضعه للصلاة ، وعدم خروجه من صلاة الليل - على أقوال : أحدها : وهو ظاهر الأكثر من علمائنا : أنّه حقيقة في الركعة الواحدة التي هي آخر صلاة الليل ، بل عن جملة من كتبهم تحديد الوتر بها وتحديدها به ، بل قد سمعت فيما تقدّم معقد صريح الإجماع وظاهره من الصدوق والشيخ والفاضل وغيرهم ممّا هو صريح أو كالصريح في أنّه حقيقة عندهم في الركعة الواحدة .
وقد يشهد له : 1 - مضافاً إلى ذلك . 2 - وإلى ما عرفته من الاستعمال في كثير من الأخبار قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « الوتر ركعة من آخر الليل » « 1 » . 3 - بل وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّ الوتر صلاة واحدة » « 2 » ، لكن بناءً على ما عندنا من أنّ الثلاث صلاتان ؛ إذ لا يكون حينئذٍ وتراً إلّا باعتبار انضمام إحدى الصلاتين إلى الأخرى ، وبهذا الاعتبار يمكن صيرورتها وتراً مع جميع الصلوات التي قبلها ، بل صيرورة جميع الصلوات وتراً ، والظاهر من تسمية الوتر بهذا الاسم كونها وتراً بنفسها لا باعتبار أمر آخر ، كما هو واضح .
نعم لو قلنا بمقالة أبي حنيفة ومن تابعه - من أنّ الوتر ثلاث ركعات موصولة بتسليمة واحدة - أمكن حينئذٍ المناقشة في الاستدلال بالخبر المذكور ، لكنّه في غاية الضعف عندنا ؛ للنصوص السابقة وغيرها ممّا يمكن دعوى تواترها في ذلك ، بل قد يقطع من لاحظها وما اشتملت عليه - من الأمر بإيقاظ الراقد ونفي البأس عن الكلام والشرب وقضاء الحاجة والنكاح ونحو ذلك بين الركعتين والركعة ، وكثرة السؤال عن ذلك - بأنّ المراد منها التعريض بأبي حنيفة وأصحابه القائلين بالوصل . بل يمكن أيضاً تحصيل الإجماع على خلافه ، بل قد سمعت دعواه ممّن تقدّم . وربّما يشهد له التتبّع ؛ إذ لم نجد فيه خلافاً من أحد إلّا من بعض متأخّري المتأخّرين « 3 » ، فخيّر بين الفصل والوصل جمعاً بين الأخبار السابقة وبين خبر كردويه الهمداني : سألت العبد الصالح عليه السلام عن الوتر ؟
فقال : « صله » « 4 » بشهادة : 1 - خبر منصور عن مولى لأبي جعفر عليه السلام قال : « ركعتا الوتر إن شاء تكلّم بينهما وبين الثالثة وإن شاء لم يفعل » « 5 » . 2 - وصحيحتي معاوية بن عمار ويعقوب بن شعيب : سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن التسليم في ركعتي الوتر ؟
فقال عليه السلام : « إن شئت سلّمت وإن شئت لم تسلّم » « 6 » . وهو في غاية الضعف ؛ ضرورة قصور الخبر الأوّل عن المقاومة لما تقدّم من وجوه ، خصوصاً بعد موافقته لمذهب أبي حنيفة ، وعدم صراحة الأمر بالوصل فيه في عدم التسليم على الركعتين ، والجمع فرع المكافأة . على أنّ خبر التخيير الأوّل - مع إرساله بل وإضماره في وجه - لا صراحة فيه أيضاً بعدم التسليم . وأمّا الصحيحتان ، فقد حملهما الشيخ « 7 » : 1 - تارةً على أنّ المراد بالتسليم فيهما قوله : السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين ، دون السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته ؛ لعدم وجوبهما معاً في الخروج من الصلاة . 2 - وأخرى على أنّ المراد به ما يستباح به من الكلام وغيره تسمية للمسبّب باسم السبب . 3 - وثالثةً على التقية ، ولعلّه أولى من الأوّلين .
ولا ينافيه وجوب الوصل عند أبي حنيفة لا التخيير : 1 - لعدم انحصار مذاهبهم فيه أوّلًا ، بل لعلّ مقتضى الحمل
هامش
( 1 ) سنن النسائي 3 : 233 .
( 2 ) أرسله في مصابيح الأحكام : الورقة 63 .
( 3 ) المدارك 3 : 17 - 18 .
( 4 ) الوسائل 4 : 66 ، ب 15 من أعداد الفرائض ، ح 18 .
( 5 ) المصدر السابق : 65 ، ح 15 .
( 6 ) المصدر السابق : 66 ، ح 17 ، 16 .
( 7 ) التهذيب 2 : 129 ، ذيل الحديث 496 .