. . . . . . . . . .
شرح
بل قال في الدروس : « ظاهر الأصحاب أنّ الصلاة في السفينة مقيّدة بالضرورة إلّا أن تكون مشدودة » « 1 » . قلت : بل قد يشعر استدلال المانعين عن الصلاة فيها اختياراً - كالذكرى والمسالك والموجز وحاشية الميسي وروض الجنان ومجمع البرهان « 2 » على ما حكي عن بعضها ، بل والتقي والعجلي « 3 » ، إلّا أنّه لم يثبت ذلك عن الأخيرين - بعدم قرار المصلّي وكثرة الحركات منه ممّا يندرج به في الفعل الكثير في الصلاة بعدم إرادة القائل بالجواز ثبوته اختياراً وإن فات الركوع والسجود والاستقبال والقيام والاستقرار الذاتي للمصلّي ، وإلّا لاتجه إلزامه به ؛ ضرورة أولويّته من ذلك قطعاً ، بل هو مشعر بكون النزاع في الصلاة في السفينة من حيث الحركة لها إذا كانت سائرة ، أو واقفة مضطربة ، أو عدم استقرارها على الأرض لو كانت واقفة لا حركة فيها وإن كان المصلّي فيها مستقرّاً ساكناً غير مضطرب ، فناس قالوا بالجواز ؛ لعدم ثبوت مانعيّة اضطراب المكان ، وعدم استقراره من صحّة الصلاة إذا لم يؤدّ إلى اضطراب في المصلّي عرفاً ، بل كان يصدق عليه أنّه مستقرّ مطمئنّ ، وناس قالوا بالعدم ؛ اقتصاراً على المتيقّن في الصحّة من مكان المستقر على الأرض . ولعلّ التأمّل في كلام كثير منهم يشهد بأولويّة تحرير النزاع في ذلك من الأوّل ، بل قد يظهر من المحقّق الثاني في جامع المقاصد والأستاذ الأكبر في شرح المفاتيح والمحكيّ عن الجعفريّة وشرحيها « 4 » معلوميّة كون النزاع بينهم فيه ، وأنّه لا مجال لاحتمال غيره . ويؤيّده زيادة على ذلك أنّه لم يحك في الكتب المعدّة لنقل كلام الأصحاب عن أحدٍ منهم التصريح بالجواز اختياراً وإن فاتت تلك الأفعال . نعم حكي ذلك عن ظاهر المبسوط والنهاية والوسيلة والمهذّب ونهاية الإحكام « 5 » . قال في الأوّل : « أمّا من كان في السفينة فإن تمكّن من الخروج منها والصلاة على الأرض خرج ، فإنّه أفضل ، فإن لم يفعل أو لا يتمكّن منه جاز أن يصلّي فيها الفرائض والنوافل ، سواء كانت صغيرة أو كبيرة ، وإذا صلّى فيها صلّى قائماً مستقبلًا للقبلة ، فإذا دارت السفينة دار معها واستقبل القبلة ، فإن لم يمكنه استقبل بأوّل تكبيرة القبلة ، ثمّ صلّى كيفما دارت . وقد روي أنّه يصلّي إلى صدر السفينة ، وذلك يخصّ النوافل ، وإذا لم يجد فيها ما يسجد عليه سجد على خشبها ، فإن كان مقيّراً غطّاه بثوب ويسجد عليه ، فإن لم يقدر سجد على القير عند الضرورة وأجزأه » . قال في كشف اللثام : « ونحوه الباقي مع إهمال الضرورة في السجود على القير ، عدا الأخير فليس فيه حديث السجود ، ولعلّه غير مراد لهم » « 6 » . قلت : وهو - مع اختصاصه بفوات الاستقبال والقيام خاصّة - يمكن أن يكون ذلك منه بياناً لحال عدم التمكّن من الخروج ، لا لعدم الفعل اختياراً . على أنّه لو سلّم كون المراد من هذه العبارات ذلك فهو - مع اختصاصه في الاستقبال والقيام - دون الشهرة بمراتب ، فضلًا عن دعوى فهم الأصحاب ، فلا وجه للترجيح به ، فضلًا عن أن يعارض ما عرفت من المرجّحات السابقة . وكذا لا وجه للقول بأنّ المراد بالصلاة في السفينة التي لا يعلم فوات الأفعال المزبورة منها ابتداءً ، أمّا المعلومة فلا إشكال في عدم الجواز فيها اختياراً لما ذكرت . وحينئذٍ فالشارع في الصلاة في السفينة برجاء التمكّن منها تامّة الأفعال إذا عرض
هامش
( 1 ) الدروس 1 : 161 .
( 2 ) الذكرى 3 : 191 . المسالك 1 : 159 . الموجز الحاوي ( الرسائل العشر ) : 67 . نقله عن حاشية الميسي في مفتاح الكرامة 2 : 107 . الروض 2 : 520 . مجمع الفائدة والبرهان 2 : 65 .
( 3 ) الكافي : 147 . السرائر 1 : 336 .
( 4 ) جامع المقاصد 2 : 64 . المصابيح 6 : 98 - 100 . الجعفرية ( رسائل الكركي ) 1 : 105 . نقله عن شرحيها في مفتاح الكرامة 2 : 107 .
( 5 ) المبسوط 1 : 130 . النهاية : 132 . الوسيلة : 115 . المهذب 1 : 118 . نهاية الإحكام 1 : 406 .
( 6 ) كشف اللثام 1 : 157 .