نعم ، الظاهر أنّه ليس له الرجوع إلى الأمارات الهيئيّة بظنّه قبل تقليد مجتهده في جواز الرجوع إليها ، أو في أنّ المدار على الظنّ حال عدم التمكّن من العلم من غير تخصيص بأسبابه ، فتأمّل جيّداً ، واللَّه أعلم ( 1 ) .
شرح
التعلّم ، وإلّا كان من القبيل الأوّل » « 1 » أي ممّن لا يعرف إذا عرّف . وفيه : أنّك قد عرفت وجوب التقليد عليه في ذلك كالأحكام ، وإلّا فلا يجديه صلاة المسلمين المعلوم أنّهم مقلّدة أيضاً ، على أنّه قد لا يعرف صلاة المسلمين إلى جهة تلك العلامة التي أخذها من مجتهده ؛ لعدم استعماله إيّاها إلّا وقت الحاجة مثلًا .
( 1 ) وكيف كان ، فلا ريب في صحّة صلاة غير المتعلّم إلى القبلة المعلومة له بصلاة المسلمين ونحوها حتى على القول بوجوبه المضيّق ، بناءً على التحقيق من عدم اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه الخاصّ . وكذا لو قصّر عن التعلّم حتى ضاق الوقت فقلّد أو صلّى إلى أربع جهات : 1 - لعدم سقوط الصلاة بحال . 2 - ولاقتضاء دليل التحرّي والاجتهاد والصلاة إلى أربع جهات شموله ؛ إذ تحرّيه واجتهاد رأيه إنّما هو منحصر في الرجوع للغير ، وكأنّه لا خلاف فيه بين أصحابنا فيما أجد إلّا من خالف في الأعمى ، والعامّي الذي إذا عرّف لا يعرف ، بل ولا حكاه أحد ممّن عادته التعرّض لذلك . واحتمال أنّه كفاقد الأمارات أو متعارضها ليس بأولى من احتمال كونه كالأعمى والعامّي الذي إذا عرّف لا يعرف ، بل هو أولى ؛ إذ قابليّة التعلّم مع عدم تأثيرها كالعدم ؛ فهو في هذا الحال كالأعمى ، على أنّك قد عرفت اقتضاء الدليل ذلك من غير مدخليّة لهذه الاعتبارات ، بل التحقيق ذلك فيهما أيضاً ؛ إذ قد عرفت أنّ الرجوع إلى الغير إحدى أمارات الاجتهاد ، فمع فرض عدم غيره أو تعارضه يتعيّن الرجوع إليه ؛ لأنّه من التحرّي ومن اجتهاد الرأي وتعمّد القبلة بحسب الجهد كما أوضحناه سابقاً ، من غير فرق بين الإخبار أو الظنّ مع فرض حصول الظنّ منه للمكلّف .
خلافاً لجماعة منهم الشهيد والمحقّق الثاني والفاضل الأصبهاني « 2 » ، بل الأكثر كما قيل « 3 » ، فأوجبوا عليهما الصلاة إلى أربع ، بل في جامع المقاصد : « أنّه ظاهر الأصحاب » ، بل عنه في شرح الألفيّة : « أنّه لم يقل بالتقليد أحد » « 4 » .
قلت :
1 - مع أنّ المتّبع الدليل وقد عرفته .
2 - قد قيل : إنّه خيرة المختلف والمنتهى والبيان والألفيّة وظاهر الكتاب واللمعة والدروس وبعض عبارات القواعد « 5 » ، بل وموضع من المبسوط ، قال فيه : « متى فقد أمارات القبلة أو يكون ممّن لا يحسن ذلك ، وأخبره عدل مسلم بكون القبلة في جهة بعينها ، جاز له الرجوع إليه » « 6 » . لكن قال فيه أيضاً : « متى كان الإنسان عالماً بدليل القبلة غير أنّه اشتبه عليه الأمر لم يجز له أن يقلّد غيره في الرجوع إلى إحدى الجهات ؛ لأنّه لا دليل عليه ، بل يصلّي إلى أربع جهات مع الاختيار ، ومع الضرورة إلى أيّ جهة شاء ، وإن قلّده في حال الضرورة جازت صلاته ؛ لأنّ الجهة التي قلّده فيها هو مخيّر في الصلاة إليها وإلى غيرها » 7 .
هامش
( 1 ) كشف اللثام 3 : 168 .
( 2 ) الذكرى 3 : 172 . جامع المقاصد 2 : 71 . كشف اللثام 3 : 172 .
( 3 ) المسالك 1 : 157 .
( 4 ) نقله في مفتاح الكرامة 2 : 114 .
( 5 ) مفتاح الكرامة 2 : 114 .
( 6 ) 6 ، 7 المبسوط 1 : 79 ، 80 .