تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
بل لو قلنا بعدم وجوب معرفة القبلة عيناً بل هو من فروض الكفاية ( 1 ) لم يكن تقصير منه بترك التعلّم مع وجود القائم بقدر الكفاية ( 2 ) . [ ولعلّ الأقوى في النظر الوجوب العيني لمعرفة القبلة ] ، لكن لا على الاجتهاد المستلزم للعسر والحرج ( 3 ) . نعم ، الظاهر عدم وجوب ذلك قبل تحقّق الخطاب بالصلاة ( 4 ) .
شرح
( 1 ) كما احتمله في الذكرى . ( 2 ) قال في الذكرى : « ويحتمل كون ذلك من فروض الكفاية كالعلم بالأحكام الشرعيّة » ، يعني كما أنّ معرفتها واجبة ويكفي التقليد ، وإنّما يجب الاجتهاد فيها كفايةً إجماعاً ؛ لانتفاء الحرج والعسر في الدين قال : « ولندور الاحتياج إلى مراعاة العلامات ، فلا يكلّف آحاد الناس بها . ولأنّه لم ينقل عن النبيّ والأئمّة بعده عليهم الصلاة والسلام إلزام آحاد الناس بذلك » ثمّ قال : « فإن قلنا بأنّه من فروض الكفاية فللعامّي أن يقلّد كالمكفوف ولا قضاء عليه » « 1 » . لكن قد يناقش أوّلًا بأنّ التكليف بالصلاة المشترط فيها الاستقبال يقتضي وجوب تحصيل الشرط عيناً ، ولا يخرج عنه إلّا بدليل . وثانياً بأنّه لا تلازم بين كون ذلك من فروض الكفاية وبين الرجوع إلى الغير في جهة القبلة ؛ إذ لعلّه يجب عليه السؤال عن أمارات القبلة ثمّ العمل عليها وإن لم يكن يعرف أنّها أمارات ، ولعلّ ذلك هو الأقوى في النظر بمعنى الوجوب العيني . ( 3 ) فإنّ الظاهر مشروعيّة التقليد للعامّي في الحكم الشرعي وفي الموضوعات ومصاديقها النظريّة المحتاجة إلى بحث وترجيح لا يصلح له إلّا الأوحدي من الناس . ( 4 ) إذ هو من المقدمات التي لا تجب قبل وجوب ذيها ، ولعلّه إليه أومأ في الذكرى بقوله : « ويحتمل قويّاً وجوب تعلّم الأمارات عند عروض حاجته إليها عيناً بخلاف ما قبله ؛ لأنّ توقّع ذلك وإن كان حاصلًا لكنّه نادر » ، إلّا أنّه قال بعد ذلك : « يكفي في الحاجة إرادة السفر عن بلده » 2 . وفيه ما لا يخفى . كما أنّ قوله - قبل هذا الاحتمال واحتمال الكفاية - : « الأقرب أنّه - أي وجوب تعلّم القبلة - من فروض الأعيان ؛ لتوقّف صحّة فرض العين عليه ، فهو كباقي شرائط الصلاة ، سواء كان يريد السفر أو لا ؛ لأنّ الحاجة إليه قد تعرض بمجرّد مفارقة الوطن » 3 لا يخلو من نظر أيضاً . فالتحقيق حينئذٍ أنّه من فروض الأعيان لكن لا على جهة الاجتهاد ، بل يكفي للعامّي قول المجتهد : ضع الجدي على منكبك الأيمن في العراق مثلًا ، ولا يجب عليه معرفة الدليل على كفاية ذلك من الإجماع أو الخبر أو البرهان الرياضي أو غيرها ، وأنّه لا يجب تطلّب ذلك إلّا عند الخطاب بالواجب المتوقّف وجوده عليه ، كغيرها من الشرائط والواجبات . ومن هذا وغيره ممّا تقدم يظهر لك ما في كشف اللثام حيث إنّه بعد أن ذكر وجوب التعلّم على القابل له ، فارقاً بينه وبين الأحكام الشرعيّة بما في تعلّمها من المشقّة وطول الزمان بخلاف أدلّة القبلة ، قال : « لا يقال : إنّما يسهل تعرّف الجدي مثلًا وأنّ من وقف بحيث حاذى منكبه الأيمن كان مستقبلًا ، ومعرفة مجرّد ذلك تقليد ، وأمّا دليل كونه مستقبلًا إذا حاذى منكبه الأيمن فهو إمّا الإجماع أو الخبر أو البرهان الرياضي فهو كسائر أدلّة سائر الأحكام ، مع أنّ النصّ إنّما ورد بالجدي على وجهين ، وما بين المشرق والمغرب كما مرّ ، وهو مع ضعف الطرق مخصوص ببعض الآفاق ولا إجماع على سائر العلامات ، وإنّما استنبطت بالبراهين الرياضيّة ، لأنّا نقول : يكفي في الدليل مشاهدة المسلمين في بلدة متّفقين على الصلاة إلى جهة ؛ إذ يكفي العامّي حينئذٍ أن يريه معلّمه الجدي أو سائر العلامات بحيث يحصل له العلم ، نعم لا تكفيه إذا سافر إلى ما يقابل جهة قبلة تلك الجهة أو ينحرف عنها ، فإن تيسّر له معرفة الانحراف أو المقابلة بجهة مسير وما يشاهده من الأمور السماويّة سهل عليه
هامش
( 1 ) 1 ، 2 ، 3 الذكرى 3 : 174 .