[ ومثله جواز الرجوع إلى الغير للجاهل الذي يتمكّن من التعلّم أيضاً إذا ضاق الوقت عليه ولم يتعلّم ولو بتقصير منه ] .
شرح
ففرضه حينئذٍ عندنا الاجتهاد فيما يحصل له من الغير على حسب ما سمعته فيه مفصّلًا ؛ لأنّ هذا هو المقدور من التحرّي والاجتهاد بالنسبة إليه ، فيندرج في قوله عليه السلام : « يجزئ التحرّي » « 1 » ، وفي قوله عليه السلام : « اجتهد رأيك » « 2 » وغيرهما كالأعمى .
نعم قد يشكل إلحاقه بالأعمى - بعد حرمة القياس عندنا ، خصوصاً مع الفارق بوجود حاسّة البصر وعدمه ، بناءً على أنّ الرجوع إلى الغير فيه من التقليد الذي قد شرّعته النصوص فيه ، وإلّا فليس من الاجتهاد والتحرّي - بأنّ النصوص « 3 » خاصّة في الأعمى ، فإلحاق غيره به قياس ، وإن علّل بأنّ فقد البصيرة أعظم من فقد البصر ، ونحوه ممّا لا يصيّره مقطوعاً به كي يكون من مفهوم الموافقة ونحوه من القياس القطعي ، مع أنّا لا نجد في إلحاقه هنا خلافاً ممّن لم يخالف في الأعمى . نعم ذكر بعضهم فيه الأربع احتمالًا « 4 » ، سواء قلنا بها في الأعمى أو لا . وقيل : إنّ ظاهر الإرشاد اختصاص التقليد بالأعمى « 5 » ، وإلّا فالمعروف بين الأصحاب مساواته للأعمى في الرجوع ، حتى حكي عن الشيخ في المبسوط ذلك ، قال : « إنّ من لا يحسن أمارات القبلة إذا أخبره عدل مسلم بكون القبلة في جهة بعينها جاز له الرجوع إليه » « 6 » ، ونحوه المهذّب « 7 » . ومن هنا حُكم « 8 » باختلاف قولي الشيخ في الكتابين ، لكن لعلّه يريد في المبسوط الإخبار كما يومئ إليه الاستدلال من بعضهم « 9 » بآية النبأ 10 ، وفي الخلاف التقليد الذي قد عرفت تفسيره بما في الذكرى .
وكيف كان ، فهذا كلّه ممّا يشهد لما ذكرنا من أنّ الرجوع للغير في الأعمى من حيث كونه تحرياً واجتهاداً ، فيشتركان حينئذٍ في الحكم المزبور ؛ لاشتراكهما في شمول دليل الاجتهاد وإن انحصر طريق الاجتهاد لهما في إخبار الغير . ولعلّه إليه أومأ من استدلّ عليه بأنّ قول العدل إحدى الأمارات المفيدة للظنّ ، فيجب العمل به مع فقد معارض أقوى . بل في المحكي عن المنتهى : « لا يقال :
إنّ له عن التقليد مندوحة ، فلا يجوز له فعله ؛ لأنّ الوقت إن كان واسعاً صلّى إلى أربع ، وإن كان ضيّقاً تخيّر . لأنّا نقول : القول بالتخيير مع حصول الظن باطل ؛ لأنّه ترك للراجح وعمل بالمرجوح » « 11 » .
وهو كالصريح فيما قلنا ممّا عرفته سابقاً ، الذي منه يظهر بأدنى تأمّل جواز الرجوع للجاهل الذي يتمكّن من التعلّم أيضاً إذا ضاق الوقت عليه ولم يتعلّم ولو بتقصير منه ، فإنّ ذلك تمام جهده في تلك الحال .
هامش
( 1 ) الوسائل 4 : 307 ، ب 6 من القبلة ، ح 1 .
( 2 ) المصدر السابق 4 : 308 ، ح 2 .
( 3 ) انظر الوسائل 4 : 310 ، ب 7 من القبلة .
( 4 ) جامع المقاصد 2 : 71 .
( 5 ) مفتاح الكرامة 2 : 118 .
( 6 ) المبسوط 1 : 79 .
( 7 ) المهذب 1 : 86 .
( 8 ) المعتبر 2 : 71 .
( 9 ) 9 ، 10 المختلف 2 : 66 . الحجرات : 6 .
( 11 ) المنتهى 4 : 175 .