تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
فالأولى ترك الاجتهاد ( 1 ) . فلو اجتهد فظنّ الغلط ملاحظاً لاستمرار فعل المسلمين كان الأحوط له الصلاة إلى الجهتين . وأمّا الاجتهاد فيها يميناً وشمالًا ( 2 ) [ القادحين في الصلاة فضلًا عن غيرهما فلا يعارض قبلة البلد ] .
شرح
( 1 ) لعدم وجوبه قطعاً . ( 2 ) فقد صرّح جماعة من الأصحاب بجوازه ، بل لا أجد فيه خلافاً بينهم إلّا من المحكي عن نهاية الإحكام ، حيث قال : « ولو اجتهد فأدّاه اجتهاده إلى خلافها فإن كانت بنيت على القطع لم يجز العدول إلى الاجتهاد ، وإلّا جاز » « 1 » . والظاهر اكتفاؤه في البناء على القطع باستمرار صلاة المسلمين إليها من غير معارض ، كما أنّ دليله على الظاهر أقربيّة احتمال إصابة الخلق الكثير من احتمال إصابة الواحد فيه . لكن يردّه ما في الذكرى من « جواز ترك الخلق الكثير الاجتهاد في ذلك ؛ لأنّه غير واجب عليهم ، فلا يدلّ مجرّد صلاتهم على تحريم اجتهاد غيرهم ، وإنّما يعارض اجتهاد العارف لو ثبت وجوب اجتهاد الكثير أو ثبت وقوعه ، وكلاهما في حيّز المنع ، بل لا يجب الاجتهاد قطعاً » قال : « وقد وقع في زماننا اجتهاد بعض علماء الهيئة في قبلة مسجد دمشق ، فإنّ فيها تياسراً عن القبلة مع انطواء الأعصار الماضية على عدم ذلك » وقال أيضاً : « عن عبد اللّه بن المبارك أنّه أمر أهل مرو بالتياسر بعد رجوعه من الحجّ » « 2 » . قلت : إن أريد باليمين والشمال ما لا يقدح عدمه في الصلاة فلا ثمرة معتدّ بها لهذه المسألة ؛ ضرورة أنّه يجوز ترك العمل به ولو بعد الاجتهاد ، وإن أريد ما يقدح منهما فهو كالخطإ في الجهة مستبعد على الخلق الكثير في الأزمنة المتطاولة ، خصوصاً وقد عرفت أنّ استمرار الخلق ممّا يفيد بناءها على القطع واليقين لا الظنّ والتخمين . وقد ادعى الوجدان في الحدائق على مخالفة قبلة جميع ما شاهده من البلدان للقواعد الرياضيّة ، ومنها الداخل في الإسلام في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعيّن فيها ولاة من جهته ، إلى أن قال : « واللازم من ذلك أحد أمرين : إمّا بطلان صلاة أهل تلك البلدان في جميع الأزمان ، أو عدم اعتبار هذه العلامات وإن أفادت اليقين كما ذكروه دون الظن والتخمين ، والأوّل أظهر في البطلان من أن يحتاج إلى البيان ، سيّما وجملة منها صلّى فيها الأئمّة عليهم السلام كالمدينة وخراسان ومسجد الكوفة ، ودعوى التغيير في هذه البلدان عمّا كانت عليه في سابق الأزمان دعوى بغير دليل ، بل مخالفة لما جرت عليه كافّة العلماء جيلًا بعد جيل ، فتعيّن الثاني » « 3 » . قلت : لا يفهم المراد من هذا الكلام ؛ إذ هذه الأمارات أكثرها شرعيّة ؛ ضرورة كونها مأخوذة من نصّ الشارع أو بالمقايسة لما نصّ عليه ولو تقريباً ، فإن أراد مخالفة قبلة البلدان المزبورة لهذه الأمارات مخالفة تؤدّي إلى فساد الصلاة ففيه منع ، وإن أراد مخالفتها للقواعد الرياضيّة من الدوائر والاسطرلابات ونحوها فقد عرفت أنّه لا عبرة بهذا الاختلاف الذي منشؤه مراعاة التحقيق في القواعد المزبورة ، وبناء القبلة على التقريب كما أومأ إليه اختلاف ما جعله الشارع علامة لذلك على ما قدّمناه سابقاً ، وإن أراد أنّ قبلة البلد لا يعارضها الاجتهاد في اليمين والشمال القادحين فضلًا عن غيرهما فمرحباً بالوفاق ؛ لما أشرنا إليه سابقاً ، فتأمّل جيّداً ، واللَّه أعلم .
هامش
( 1 ) نهاية الإحكام 1 : 393 . ( 2 ) الذكرى 3 : 168 . ( 3 ) الحدائق 6 : 406 .
جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 291 | الشيخ محمد حسن النجفي الجواهري (صاحب الجواهر) / مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي