[ وأنّ الأصحّ تقديم الاجتهاد على الأربع ] . نعم ، يقدّم عليه بحسب الظاهر شهادة العدلين ( 1 ) .
[ وأمّا خبر العدل فيمكن إنكار رجحانه على الاجتهاد ] ، ف ( - إذا اجتهد فأخبره غيره بخلاف اجتهاده قيل :
يعمل على اجتهاده ، ويقوى عندي أنّه إذا كان ذلك المخبر أوثق في نفسه عوّل عليه ) وإلّا فلا ( 2 ) .
شرح
( 1 ) وفي جامع المقاصد : « يلوح من عبارة شيخنا الشهيد في قواعده عدم الخلاف في الرجوع إليها . وفيه قوّة ؛ لأنّها حجّة شرعيّة » « 1 » . قلت : لكن بين ما دلّ على اعتبارها وبين ما دلّ على وجوب الاجتهاد مع انتفاء العلم تعارض العموم من وجه . اللّهمّ إلّا أن ترجّح بالاكتفاء بها في كثير ممّا اعتبر فيه العلم . وأمّا خبر العدل فإنّه وإن كان التعارض فيهما [ دليل اعتباره ودليل وجوب الاجتهاد ] كذلك [ العموم من وجه ] إلّا أنّه يمكن إنكار رجحانه في المقام ، الظاهر من الأصحاب عدم الالتفات إليه إلّا من حيث كونه أمارة اجتهاديّة في وجه . لكن في كشف اللثام : « لم أرَ من اشترط التعدّد ، فهو خبر ، أي يكتفى فيه بما يكتفى به في الأحكام الشرعيّة ، وإلّا فكلّ خبر شهادة ، لكن خصّ ما فيه زيادة تحقيق وتدقيق للنظر باسم الشهادة ، فلمّا كان اللَّه لطيفاً بعباده حكم في حقوقهم بشاهدين فصاعداً ، واكتفى في حقوقه وأحكامه بالرواية ، وهذا منها » « 2 » ، وظاهره الاكتفاء به . وقد تقدم سابقاً في إخبار العدل والعدلين بالنجاسة والوقت ما له نفع في أصل المسألة ، فلاحظ وتأمّل .
( و ) ممّا يشهد لما ذكرنا من عدم التفات الأصحاب إلى خبر العدل قول المصنّف [ ذلك ] .
( 2 ) ضرورة شموله لإخبار العدل عن يقين وحسّ ، بل لعلّ ظاهر الإخبار ما لا يشمل الخبر عن الاجتهاد ، وما قوي عند المصنّف ليس عملًا بالخبر من حيث كونه خبراً ، بل لأنّه اجتهاد رافع للاجتهاد الأوّل ، ولذا لم يفرّق بين العدل وغيره . بل لم أجد بعد التتبّع قولًا لأحد من معتمدي الأصحاب بالعمل بخبر العدل من حيث إنّه حجّة شرعيّة ، نعم أرسله في جامع المقاصد عن بعضهم ولم أعرفه ، فقال : « قيل بالاكتفاء بشهادة العدل المخبر عن يقين في ذلك ، وفي الوقت ، وهو ضعيف ؛ لأنّه مخاطب بالاجتهاد فيهما ، ولم يثبت الاكتفاء بذلك » 3 ، بل قد يظهر من القيل في عبارة المصنّف وغيرها عدم اعتبار الخبر هنا مطلقاً وإن كان الظنّ به أقوى :
إمّا لأنّ الرجوع إلى الغير نوع من التقليد ، وهو غير جائز للقادر على الاجتهاد ، وإمّا لأنّ ظاهر التحرّي واجتهاد الرأي ما لا يشمل الظنّ الناشئ من إخبار الغير ، سواء كان عن اجتهاد أو حسّ . بل لعلّه هو مقتضى إطلاق قول الفاضل : « ولو تعارض الاجتهاد وإخبار العارف رجع إلى الاجتهاد » 4 ، بل عن كشف الالتباس : أنّ ظاهر المصنّفات ذلك في المخبر عن حسّ فضلًا عن غيره « 5 » . بل كاد يكون صريح المسالك أيضاً ، حيث إنّه بعد أن ذكر أنّ وجه القوّة التي أشار إليها المصنف رجحان خبر الغير في نفسه فيكون المصير إليه أولى من الطرف المرجوح ، قال : « ويضعّف بأنّ الرجوع إلى الغير تقليد لا يجوز المصير إليه مع إمكان الاجتهاد ، نعم لو كان المخبر عدلين عن علم اتّجه تقديمهما على اجتهاده » « 6 » ، وفي الذكرى : « ولو اجتهد واخبر بخلافه أمكن العمل بأقوى الظنّين ؛ لأنّه راجح ، وهو قريب ، ووجه المنع أنّه ليس من أهل التقليد » 7 . وبه علّل في جامع المقاصد عبارة الفاضل المزبورة ، ثمّ قال : « وفي الذكرى أنّ رجوعه إلى أقوى الظنّين قريب ؛ لأنّه راجح ، والأصحّ المنع إلّا أن ينضمّ إلى الإخبار مرجّحات اخر ، فيكون التعويل على الاجتهاد لا على الإخبار ، ولا فرق في ذلك بين كون المخبر قاطعاً بالقبلة أو مجتهداً ، سواء العدل وغيره ، والوقت كالقبلة في ذلك » 8 . وظاهره عدم العمل به إن كان الرجحان منه لا غير . وهو غريب لم أعرف به قائلًا قبله .
هامش
( 1 ) 1 ، 3 ، 8 جامع المقاصد 2 : 70 ، 69 - 70 .
( 2 ) 2 ، 4 كشف اللثام 3 : 172 . القواعد 1 : 253 .
( 5 ) كشف الالتباس : الورقة 133 .
( 6 ) 6 ، 7 المسالك 1 : 171 . الذكرى 3 : 171 .