وقد تطلق الجهة ( 1 ) على غير ذلك كقول المصنف : ( وجهة الكعبة هي القبلة لا البنية ، فلو زالت البنية صلّى إلى جهتها كما يصلّي من هو أعلى موقفاً منها ) أو أسفل ( 2 ) .
شرح
( 1 ) [ كما ] في كلامهم .
( 2 ) ضرورة كون مراده بالجهة هنا الفضاء الذي حوت بعضه البنية وشغل الأرض بعضاً آخر منه وبقي الثالث متصلًا إلى عنان السماء ، لا الجهة بالمعنى المزبور . ومن هنا لم يعرف خلاف بين العلماء كما اعترف به في المدارك « 1 » في كون المدار في القبلة على ذلك ، وخلاف شاذان في غير ذلك كما ستعرف « 2 » الحال فيه ، مع أنّه على تقديره لا يعبأ به ؛ إذ الآجر والجصّ والتراب ممّا ينقل ويضمحلّ . وقد سئل الصادق عليه السلام في خبر عبد اللّه بن سنان : عن رجل صلّى فوق أبي قبيس العصر والكعبة تحته فهل تجزي ؟ فقال :
« نعم ، إنّها قبلة من موضعها إلى السماء » « 3 » ، كقوله عليه السلام أيضاً : « لا بأس » لمّا سأله خالد أبو إسماعيل « 4 » عن الرجل على أبي قبيس يستقبل القبلة « 5 » .
وكذلك الحال في المصلّي في سرداب مثلًا نازل عن بناء الكعبة . وقد تقدّم ويأتي الإشارة إلى ذلك كله ، مع أنّه بوضوحه مستغنٍ عن كثرة الكلام .
كما أنّه تقدّم سابقاً وجوب العلم بتحقّق صدق الاستقبال للمتمكّن وإن توقّف على صعود إلى سطح أو جبل أو نحوهما من المقدمات التي لا حرج على المكلّف في تحصيلها على ما هو مقتضى القواعد المقررة التي شهد لها العقل والنقل . فما في المدارك من أنّه « لا يكلّف الصعود إلى الجبال ليرى الكعبة للحرج ، بخلاف الصعود إلى السطح ، وأوجب الشيخ والعلّامة في بعض كتبهما صعود الجبل مع القدرة ، وهو بعيد » « 6 » فيه ما لا يخفى .
اللّهمّ إلّا أن يريد بقرينة تعليله ما فيه الحرج ، لكن من المستبعد إيجاب الشيخ والفاضل عليه ذلك معه ؛ لعدم الدليل ، بل المعلوم من أصول هذه الملّة سقوط ما فيه الحرج من سائر أحكامها ، وظنّي أنّ الخلاف لفظي .
ثمّ قال في المدارك بعد الكلام المزبور : « وإن قلنا بالاكتفاء باستقبال الجهة مطلقاً سقط هذا البحث من أصله » 7 .
وفيه : أنّك قد عرفت ممّا تقدّم سابقاً عدم قائل بذلك ، بل لا مجال لاحتماله ؛ إذ وجوب استقبال العين لمن كان مشاهداً لها من الضروريّات ، ولا يكفيه استقبال جهة العين بمعنى الفضاء المتصل بها يميناً وشمالًا ؛ إذ هو ليس استقبالًا للكعبة قطعاً ، بل هو غير مجزٍ للبعيد ، فضلًا عن القريب على ما عرفته مفصّلًا ، وإن أراد بالجهة غير ذلك لم يكن وجه لسقوط هذا البحث من أصله .
ومن ذلك يعرف ما في مناقشته « 8 » للمعتبر في شرح المتن السابق ، كما تقدّم لنا ما يزيده وضوحاً وتفصيلًا ، فلاحظ ، وتأمّل إن شئت .
هامش
( 1 ) المدارك 3 : 122 .
( 2 ) يأتي في ص 258 .
( 3 ) الوسائل 4 : 339 ، ب 18 من القبلة ، ح 1 .
( 4 ) في المصدر : « خالد بن أبي إسماعيل » .
( 5 ) الوسائل 4 : 339 ، ب 18 من القبلة ، ح 2 . وفيه : « يصلّي على أبي قبيس » .
( 6 ) 6 ، 7 المدارك 3 : 122 .
( 8 ) المصدر السابق : 119 .