. . . . . . . . . .
شرح
2 - ولما هو المستفاد من الكتاب والسنّة ، بل الضرورة من الدين ، من استقبال الكعبة للقريب والبعيد الذي لا يتحقّق عرفاً إلّا باستقبالها حقيقةً ، الذي منه استقبال الجهة بالمعنى الذي ذكرناه سابقاً ، لا الجهة العرفيّة المبنيّة على التسامح وعدم الاستقبال حقيقةً .
3 - وأمر السيّد عبده بسبب قرائن الأحوال محمول عليها ، بل هو عند التحقيق مراد منه جهة الجهة ، وإلّا فلو فرض عدم القرينة على ذلك وجب بذل الجهد في تحصيل الاستقبال حقيقةً .
واحتمال أنّ الشارع مراده هذا التسامح ، يدفعه :
[ أوّلًا : ] عدم القرينة على ذلك كي يحمل عليه الخطاب المزبور ؛ ضرورة عدم كون المسامحات العرفيّة حقائق تحمل الألفاظ عليها بدونها .
وثانياً : أنّ ملاحظة الفتاوى وما تسمعه من النصوص - التي فيها :
1 - التفرقة بين طريق الحجّ وغيره بوضع الجدي على اليمين والقفا « 1 » ، مع سهولة التفاوت بينهما .
2 - وفيها « 2 » أنّه المراد من قوله تعالى :( وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ )« 3 » .
3 - وفيها « 4 » جعل ما بين المشرق والمغرب قبلة لخصوص المخطئ والمتحيّر .
4 - وفيها « 5 » الأمر بالتحرّي لغير المتمكّن من العلم ، وبالصلاة لأربع لفاقدهما « 6 » .
5 - وفيها غير ذلك - تشرف الفقيه على القطع بعدم إرادة هذا التسامح الذي يقتضي عدم الاستعداد له بعلامة أصلًا ، وعدم إشكال الحال على السائل المسافر ، بل ستسمع ما في المروي عن رسالة المحكم والمتشابه منها ما يزيد ذلك كلّه تأكيداً .
نعم ، لمّا كان استعداد الناس وفطانتهم مختلفة أشدّ اختلاف - حتى أنّ منهم من يصل إلى كثير من نتائج العلوم المدوّنة من غير حاجة إلى أهلها ومقدّماتها ، ومنهم من ليس له إلّا قابليّة التقليد - ناط الشارع هنا التكليف بالعلم مع التمكّن منه بلا عسر وحرج كما يتيسّر لكثير من أفراد الناس الممارسين المتنبّهين من أهل البادية والقرى ، بل لعلّ اتفاق ذلك في الأوّلين أكثر ، ومع عدم التمكّن فالتحرّي ، ومع عدمهما فالأربع جهات . فلا عسر ولا حرج في ذلك على عامّة المكلّفين ؛ إذ لم يكلّفهم بمعرفة قواعد علم الهيئة الذي هو دقيق المقدّمات ، ولا يعرفه إلّا أوحديّ الناس ، بل إنّما أمر بالعلم بحصول الاستقبال للمتمكّن - كما هو القاعدة في كلّ موضوع - وبالظنّ لغيره ، وبالعلم الاجمالي لفاقدهما ، فمن كان حسن الفطنة يتمكّن من حصول العلم بسبب معرفته في علم الهيئة أو بغير ذلك وجب عليه ، وإلّا أخذ بالأحرى فالأحرى على حسب استعداده أيضاً ، وما يتيسّر له من أسباب الظنّ إلى أن يصل إلى التقليد وأدون .
ولعلّ هذا موافق للقاعدة المعلومة ، وهي قيام الظنّ مقام العلم عند التعذّر في موضوعات الأحكام ، خصوصاً في المقام الذي
هامش
( 1 ) الوسائل 4 : 306 ، ب 5 من القبلة ، ح 1 ، 2 .
( 2 ) المصدر السابق : 307 ، ح 3 .
( 3 ) النحل : 16 .
( 4 ) الوسائل 4 : 314 ، ب 10 من القبلة ، ح 1 .
( 5 ) الوسائل 4 : 308 ، ب 6 من القبلة ، ح 2 ، 3 .
( 6 ) انظر الوسائل 4 : 310 ، ب 8 من القبلة .