تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
. . . . . . . . . .
شرح
وظاهراً ؛ بحيث لا يحتاج من له أدنى دراية إلى جمعها وتنقيحها . وكأنّ إطناب الأستاذ الأكبر في ذلك في شرحه على المفاتيح « 1 » لزيادة التشنيع على من استدلّ بها على التوسعة المزبورة ونحوها . كما أنّ الأخذ بإطلاق وضع الجدي في القفا ثمّ الصلاة معلوم البطلان بالضرورة ، ومن هنا نزّل على العراق وما سامتها . وحيث عرفت وتعرف إن شاء اللَّه قيام الظنّ هنا مقام العلم عقلًا ونقلًا ، لم يكن بأس في الرجوع إلى قواعد الهيئة ، ولا بتقليد أهلها في ذلك ، بل ربّما استفاد الماهر فيها العلم بالاستقبال ، كما أنّه لا ريب في حصول الظنّ به منها ، بل الظاهر أنّه أقوى من غيره ولذا عوّل أصحابنا عليها ، ووضعوا كثيراً من العلامات بمراعاتها كما اعترف به بعضهم « 2 » . فمن الغريب دعوى عدم استفادة شيء من العلم أو الظنّ من كلامهم ، مع أنّ أكثره - كما قيل « 3 » - ثابت بالبراهين القطعية والدلائل الهندسيّة التي لا يتطرّق إليها شبهة ، ولا يحوم حولها وصمة ريب . وعدم الوثوق بإسلامهم فضلًا عن عدالتهم لا يمنع حصول الظنّ ، كما لا يمنع من حصوله في غيره من اللغة والصرف والنحو والطب وغير ذلك ، الذي من المعلوم ضرورة الرجوع إليه . وليس المراد التقليد في الحكم الشرعي المشترط فيه ذلك ، بل المراد حصول الظنّ الذي لا ينبغي إنكاره ولا التعويل عليه ، وإن أطنب في بيان ذلك المحقّق البهائي في حبله ، وتبعه الأستاذ الأكبر في شرحه « 4 » ، لكنّا بحمد اللَّه في غنية عنه ؛ إذ هو من الواضحات المسلّمات عندنا ، خصوصاً بعد ما تعرفه إن شاء اللَّه منّا ومن غيرنا من العمل بالظنّ من قول الكافر ونحوه إذا لم يكن ظنّ أقوى منه ، فالتكليف به حينئذٍ مع فرض كونه الأحرى وعدم العسر في تحصيله ثابت بالضرورة لا منفي . ودعوى عدم استفادة الظنّ من الأدلّة على كرويّة الأرض - التي هي مبنى العلم المزبور - واضحة المنع عند أهل الفنّ ، كدعوى إنكار أهل الشرع كرويّتها ؛ إذ ليس لهم في ذلك كلام محرّر ، بل المحكي عن العلّامة منهم في كتاب الصوم من التذكرة التصريح بكرويّة الأرض ، مفرّعاً عليها جواز رؤية الهلال في بلد دون آخر ؛ لأنّ حدبيّة الأرض مانعة عن ذلك ، بل قال : قد رصد ذلك أهل المعرفة ، وشوهد بالعيان خفاء بعض الكواكب الغربيّة لمن جدّ في السير نحو المشرق وبالعكس « 5 » ، وكذا حكي عن ولده فخر المحقّقين « 6 » ، وكونها فراشاً ومهاداً ومسطّحة لا ينفي كونها كرويّة باعتبار عظم حجمها بحيث يحصل ذلك فيها وترى مسطّحة ، كما عن الزمخشري « 7 » التصريح ببعض ذلك في آية الفراش ، بل هو المحكي عن المرتضى رحمه الله « 8 » أيضاً . ودعوى اختلاف قبور الأئمّة عليهم السلام مع قربها اختلافاً لا يتسامح فيه في استقبال البعيد ولو ظنّاً - مع استمرار السيرة القطعيّة على إيقاع ما يشترط فيه الاستقبال على ذلك - ممنوعة أشدّ المنع على مدّعيها ، وكأنّ المسألة بحمد اللَّه من الواضحات التي لا تحتاج إلى إقامة الأدلّة والبيّنات . ولولا سريان هذه الشبهة إلى جماعة من أهل هذا العصر لكان ما صدر منّا من الكلام ، فضلًا عن الزيادة عليه من تضييع العمر في الفضولات ، واللَّه أعلم بحقيقة الحال . وكيف كان ، فهذا كلّه في تحقيق الجهة التي امر أصحاب البعيد باستقبالها .
هامش
( 1 ) المصابيح 6 : 397 . ( 2 ) الذكرى 3 : 162 . ( 3 ) الحبل المتين : 194 . ( 4 ) الحبل المتين : 193 . المصابيح 6 : 399 . ( 5 ) التذكرة 6 : 123 . ( 6 ) الايضاح 1 : 252 . ( 7 ) تفسير الكشاف 1 : 94 . ( 8 ) أمالي المرتضى 4 : 96 .
جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 254 | الشيخ محمد حسن النجفي الجواهري (صاحب الجواهر) / مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي