[ فليس المراد من الجهة إلّا المقابلة والمحاذاة الحسّية للبعيد من حيث كونه بعيداً ] . نعم ، يختلف كيفيّة معرفة ذلك ، فتارةً بالعلم ، وأخرى بالظنّ كمراعاة هذه العلامات ( 1 ) .
شرح
( 1 ) ولقد استراح من عرّفها بذلك كالأردبيلي والعلّامة الطباطبائي « 1 » ، قال الثاني منهما :وللبعيد الجهة المعيّنة * بما لها من آية مبيّنةفمحراب المعصوم عليه السلام وهذه الأمارات وغيرها إنّما هي أدلّة على الجهة ، كما نصّ عليه المحقّق الثاني في فوائد الشرائع « 2 » لا العين ؛ ضرورة عدم معقوليّة دلالتها عليها بالخطوط المستوية مع اشتراك الإقليم الواحد بها فيما يقطع بعدم مقابلته العين حقيقة ، لسعة عرضه عليه أضعافاً متعدّدة .
وكرويّة الأرض لا مدخليّة لها في ذلك قطعاً ، كما أنّ كون أهل الأرض مستديرين حول الكعبة كذلك ؛ إذ ليس استدارتهم كمحيط الدائرة ، كما اعترف به المحقق الثاني في فوائد الشرائع 3 ، وإلّا ما صلّى المتوسّطون في الجهة إلى سمت واحد . ثمّ إنّ دلالتها على الجهة مختلفة ، فالمحراب ونحوه ممّا يفيد القطع بها لما عرفت وتعرف من منافاة الخطأ في ذلك العصمة وغيره يفيد الظنّ بها ؛ لاحتمال الخطأ في تحصيل القبلة المقابلة بها كما أوضحناه سابقاً ، ونصّ عليهما معاً المحقّق الثاني هنا في فوائده « 4 » .
فمن الغريب ما وقع لبعض الأعلام كالشهيد في الذكرى والمحقّق البهائي من أنّ هذه الأمارات تفيد الظنّ الغالب بالعين والقطع بالجهة « 5 » . كما أنّه من الغريب ما وقع لبعض علماء العصر من الإنكار على ما وقع من غير واحد من الأصحاب ، بل ظاهرهم الاتفاق عليه من أنّ محراب المعصوم عليه السلام ممّا يفيد العلم بالقبلة قائلًا : ليس تكليف المعصوم عليه السلام مع البعد إلّا تكليف غيره من الاستقبال إلى الجهة ؛ ولذا كان يصلّي قطعاً في أمكنة متعدّدة يقطع بسعة عرضها على الكعبة من دون انحراف منه ، فكيف يكون محرابه ممّا يفيد العلم بالقبلة ؟ !
إذ لا يخفى ما فيه بعد الإحاطة بما ذكرناه سابقاً من أنّ المراد إفادته العلم بالجهة بالمعنى الذي ذكرناه ، أي المقابلة الحسّية لو كانت الكعبة مرئيّة لا العين ، وتجويز الخطأ عليه في ذلك نفي لعصمته لما فيه من النقص ؛ إذ هو أجلّ من أن يقصر عن علماء الهيئة كما أوضحناه سابقاً .
ولقد طال بنا الكلام حتى خرجنا عن وضع الكتاب ، إلّا أنّه كان المقام حقيقاً به ، فإنّه قد خفي في هذا العصر المراد بالجهة حتى أنّه التجأ متفقّهته للجهل بها إلى ما أحدثه الأردبيلي ، وتبعه عليه بعض الناس « 6 » ممّا هو مخالف لإجماع الأصحاب بقسميه من عدم اعتبار هذا التدقيق في أمر القبلة ، وأنّه أوسع من ذلك ، وما حاله إلّا كأمر السيّد عبده باستقبال بلد من البلدان النائية ، التي لا ريب في تحقّق امتثال العبد له بمجرّد التوجّه إلى جهة تلك البلد ، من غير حاجة إلى رصد وعلامات وغيرها ممّا يختصّ بمعرفته أهل الهيئة ، المستبعد أو الممتنع تكليف عامّة الناس من النساء والرجال خصوصاً السواد منهم بما عند أهل الهيئة الذي لا يعرفه
هامش
( 1 ) مجمع الفائدة والبرهان 2 : 58 . الدرّة النجفية : 88 .
( 2 ) 2 ، 3 فوائد الشرائع ( حياة الكركي ) 10 : 122 .
( 4 ) فوائد الشرائع ( حياة الكركي ) 10 : 123 .
( 5 ) الذكرى 3 : 162 . الحبل المتين : 194 .
( 6 ) مجمع الفائدة والبرهان 2 : 59 . المدارك 3 : 121 .