. . . . . . . . . .
شرح
من الانحراف عن النجوم وبعض النقط ، وحينئذٍ فالأولى جعل المدار فيما لا يجوز من الانحراف على المفوّت للظنّ المزبور القائم مقام العلم بعد تعذّره ، ولعلّه غير المستفاد من الأدلّة ممّا ستعرفه من تفاوت العلامات المزبورة .
وممّا يؤكّد إرادته ما ذكرنا في كيفيّة استقبال البعيد ما عثرنا عليه من كلامه أيضاً في شرح الإرشاد ، فإنّه بعد أن حكى عن والده الاعتراض الأوّل المزبور على تعريف التذكرة ، قال : « قلت : قد يحمل المحاذاة على الحسّية ، بل ذلك هو المتعارف على لسان أهل الشرع على نحو ما اشتهر بينهم من أنّ أهل العراق مثلًا وإن طالت صفوفهم واستوت مواقفهم يجعلون الجدي بحذاء المنكب الأيمن على نحو واحد ، ومن المعلوم امتناع ذلك بحسب نفس الأمر ، لاختلاف أشخاصهم فيه ، وإنّما يمكن تحقّقه بحسب الحسّ ، فعلى هذا ليس البعد مخلّاً بظنّ المحاذاة ، بل كلّما ازداد اتّسع السمت الذي تظنّ هي فيه » .
وهو صريح فيما ذكرنا أوّلًا وآخراً ، على أنّ ذلك كلّه منّا مماشاةً لبعض الأذهان التي تستوحش من التفرّد بالقول ، ولم تتفطّن إلى أنّ الوحشة من الباطل وإن كثر القائل به ، والانس بالحق وإن قلّ .
وربّما كان أيضاً بعض ما يحكى عن روض الشهيد الثاني إشارة إلى ما قلناه ، فإنّه بعد أن اعترض على التذكرة بما سمعته من المحقّق الثاني من الصفّ المستطيل ، قال : « فإن قيل : القطع بخروج بعض الصفّ متعلّق بأفراد المجموع على الإشاعة لا على التعيين ، فلا ينافيه ظنّ كلّ واحد على التعيين أنّه مستقبل » . وأجاب بأنّ « الظنّ لا بدّ من استناده إلى أمارة شرعيّة ، وهذا القطع 7 / 340 / 543
ينافيه » . ثمّ قال : « ولو قيل بأنّ هذا لا يتحقّق مع البعد ؛ لأنّ الجرم الصغير كلّما ازداد الإنسان عنه بُعداً اتسعت جهة المحاذاة ، فيمكن محاذاة العشرة للشخص الواحد ، فليكن الصفّ المستطيل كذلك » . وأجاب بأنّ « هذا تحقيق أمر الجهة دون المعنى الذي ذكره ؛ إذ التحقيق أنّ محاذاة القوم للجرم الصغير عن موقفهم ليست إلى عينه وإن أوهم ذلك ؛ لأنّا نفرض خطوطاً خارجة من موقفهم نحوه بحيث تخرج متوازية فانّها لا تلتقي أبداً وإن خرجت إلى غير النهاية ، والعلامات المنصوبة من الشارع تقضي بعدم ذلك » « 1 » .
إذ هو - خصوصاً قوله : « إنّ هذا تحقيق أمر الجهة » - كالصريح فيما قلناه ، الذي منه يعرف ما في المحكي عن البهائي في رسالته التي أفردها في ذلك من « أنّ الجهة أعظم سمت يشتمل على الكعبة قطعاً أو ظنّاً بحيث تتساوى نسبة أجزائه إلى هذا الاشتمال من دون ترجيح » . قال : « وإنّما اعتبرنا أعظم سمت لئلّا ينتقض طرده بأجزاء الجهة ، ولم نقتصر على الظنّ لئلّا ينتقض عكسه بالسمت الذي يقطع بعدم خروج الكعبة عنه ، ولا على القطع لئلّا ينتقض بالجهة المظنون كون الكعبة فيها عند العجز عن تحصيل القطع بذلك . وأمّا قيد الحيثية فلإخراج سمتٍ يكون اشتمال بعض أجزائه على الكعبة أرجح ؛ إذ الحقّ أنّ الجهة ليست مجموع ذلك السمت ، بل بعضه ، أعني الأجزاء التي يترجّح اشتمالها على الكعبة بشرط تساوي نسبة الرجحان إلى جميعها ، فلا يجوز للمصلّي استقبال الأجزاء المرجوحة الاشتمال عليها ، خلافاً للمستفاد من جماعة » « 2 » . وأنت خبير بأنّ المهمّ بيان حقيقة الجهة المذكورة في كلامهم بحيث ينطبق على الأدلّة الشرعيّة لا هذه الاحترازات . وقد عرفت أنّه لا مدخليّة للقطع والظنّ والاحتمال فيها ، بل هي أمور تتعلّق بها ، بل ليس المراد منها إلّا المقابلة والمحاذاة الحسيّة للبعيد من حيث كونه بعيداً .
هامش
( 1 ) الروض 2 : 514 .
( 2 ) نقله في مفتاح الكرامة 2 : 75 .