[ وأمّا التطهير بآنية الذهب والفضّة فقد يقال ببطلان الطهارة فيما لو انحصر الماء فيهما ] ، وهو لا يخلو من وجه ، لكن ينبغي تقييده مع ذلك بما إذا لم يتمكّن من إفراغ ذلك الماء في آنية أخرى مثلًا ، وإلّا كان كالمتمكن من الماء الآخر [ فتصحّ الطهارة ] ( 1 ) . بل التحقيق : أنّ الأكل والطهارة ونحوهما من الآنية استعمال لها بنفس أفعال الطهارة وبالمضغ والازدراد لا مجرّد النقل ( 2 ) . نعم ، قد يقال هو منه بالنسبة للشرب إذا كانت الآنية ممّا تستعمل بالشرب من دون نقل منها ، فلو وضع حينئذٍ ما فيها في يده بقصد التفريغ ولو للشرب لم يكن ذلك الشرب استعمالًا لها فيه ، فالواجب حينئذٍ ملاحظة العرف في صدق استعمالها في الشيء ، فإنّه مختلف جدّاً باختلاف المستعمل فيه ، بل والمستعمل - بالفتح - من الإبريق والقمقمة ونحوهما ، بل والقصد أيضاً ، فتأمّل ( 3 ) .
شرح
( 1 ) بل في كشف اللثام التردّد في أصل حرمة الاغتراف منها للطهارة أو صبّ ما فيها على الأعضاء ؛ لأنّهما من الإفراغ الذي لا دليل على حرمته « 1 » ، وإن أمكن منعه عليه ؛ ضرورة عدم اندراجه [ الاغتراف من الآنية ] في الإفراغ ؛ إذ ليس هو كلّ نقل ، كضرورة اندراجه في الاستعمال ، بل لو كان قد قصد الإفراغ أيضاً لكن بالاستعمال الخاصّ لم ترتفع الحرمة ، وإلّا لحلّ كثير من وجوه الانتفاع بل جميعها لذلك [ لقصد الإفراغ ] .
( 2 ) كما يشهد لذلك ملاحظة العرف ، ومن هنا حكم العلّامتان في المنظومة والكشف بفساد الطهارة « 2 » [ في آنية الذهب والفضّة ] ، بل صرّح الثاني بعدم الفرق بين رمس العضو والاغتسال مرتمساً والتناول باليد والآلة .
فما يظهر من الأصحاب حينئذٍ أنّ المحرّم [ في الأكل والطهارة من آنية الذهب والفضّة ] نفس النقل والانتزاع لا غير ليس في محلّه ، فضلًا عمّا سمعته من كشف اللثام [ من التردّد في أصل حرمة الاغتراف منها للطهارة أو صبّ ما فيها على الأعضاء ؛ لأنّهما من الإفراغ الذي لا دليل على حرمته ] الذي ينبغي العجب من صدوره من مثله ؛ لما عرفت من وضوح الفرق عرفاً بين التفريغ والاستعمال ، والنقل هنا من الثاني [ أي الاستعمال ] ؛ إذ مبنى استعماله [ الإناء ] في الوضوء ومعناه عرفاً ذلك كالأكل ؛ فإنّ النقل باليد من الإناء إلى المضغ ليس من التفريغ قطعاً .
( 3 ) وما يقال : إنّه ليس في الأدلّة نهي عن الوضوء مثلًا في الآنية أو عن استعمالها في الوضوء ، حتى يقال : إنّ المفهوم من الوضوء بها واستعمالها فيه هو تمام ذلك من الانتزاع وغيره ، بل الموجود في الأدلّة النهي عن الآنية ، وهو كما يحتمل إرادة الوضوء بها مثلًا واستعمالها فيه يحتمل إرادة النهي عن نفس نقل ما فيها وانتزاعه للوضوء أو غيره ، فيكون المنهي عنه النقل حينئذٍ خاصّة .
يدفعه : أنّه وإن لم يكن ذلك في الأدلّة صريحاً لكنّه المفهوم المتبادر منها ، خصوصاً بعد اشتمالها على النهي عن الأكل والشرب فيها المتّفق بين الأصحاب على عدم الفرق بينهما وبين غيرهما في كيفيّة الحرمة ؛ إذ قد سمعت معقد الإجماع المحكيّ بل الإجماعات على حرمة غير الأكل والشرب ، فإنّه كالصريح في اتّحادهما بذلك كما هو واضح . فيكون [ النهي عن الآنية ] حينئذٍ بمنزلة قوله : لا تأكل في الآنية ، ولا تشرب فيها ، ولا تتوضّأ فيها ، ولا تغتسل فيها ، ونحو ذلك . على أنّه يكفي في ثبوت المطلق [ أي حرمة مطلق الاستعمال ] نفس معقد الإجماع المذكور ، وخصوصاً ما تقدّم من التذكرة ، فيتّجه حينئذٍ التعليل بأنّ معنى استعمالها في الوضوء ذلك .
هامش
( 1 ) كشف اللثام 1 : 494 .
( 2 ) الدرّة النجفية : 60 - 61 . كشف الغطاء 2 : 393 .