تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
فالأقوى حينئذٍ عدم اعتبار العدد في غير البول من النجاسات في سائر المتنجّسات ، إلّا الولوغ وخصوص الأواني على ما ستعرف حكمهما إن شاء اللَّه ، من غير فرق في ذلك بين ما ثبت نجاسته من أوامر الغسل ونحوها التي يتمسّك بإطلاقها في الاجتزاء بالمرّة وبين ما ثبت نجاسته بالإجماع ونحوه ( 1 ) .
شرح
( 1 ) وإن تردّد فيه بعض متأخّري المتأخّرين « 1 » ؛ للاستصحاب السالم عن معارضة إطلاق الأمر بالغسل ونحوه ، كما هو المفروض ؛ إذ قد عرفت أنّه - مع تسليم وجود الفرض المذكور [ أي فرض عدم المعارض للاستصحاب ] وأنّه لا تكفي عمومات مطهّرية الماء - إنّما يتمّ [ الاكتفاء بالمرّة ] بالإجماع المركّب المحكيّ ظاهراً في الذخيرة 2 الذي يشهد له التتبّع ، بل يمكن تحصيله على عدم الفرق بين النجاسات بذلك ، وبه ينقطع الاستصحاب حينئذٍ . مع إمكان منعه [ الاستصحاب ] في نفسه : 1 - إمّا بناءً على عدم حجّيته في نحوه ممّا كان معلّقاً على غاية غير معلومة للمكلّف ، فيتمسّك حينئذٍ بأصالة براءة الذمّة عن استعماله بعد الغسلة الواحدة ، وعن وجوب غسلة ثانية بعدها ؛ للشكّ في أصل الشغل بها ، كمن تنجّست يده مثلًا بنجاسة لا يعلمها أنّها بول فيجب فيه مرّتان ، أو غيره فيجب مرّة ؛ فإنّه لا يجب عليه أزيد من مرّة ، وكالشكّ في كون الصادر منه موجباً للقضاء والكفّارة ، أو للقضاء وحده . واحتمال الفرق بين مشتبه الحكم والموضوع [ في جريان الاستصحاب ] ممنوع ، كاحتمال الفرق بين أسباب النجاسة وغيرها من أفراد قاعدة الشكّ بين الأقل والأكثر التي منها ما لو شكّ في شغل ذمّته لزيد بعشرة دراهم أو أزيد ، المعلوم جريان أصل البراءة في مثله ، كمعلوميّة منع دعوى بطلان ذلك [ جريان البراءة في الفرض ] باستصحاب الشغل إجمالًا قياساً على من علم شغل ذمّته بقدر خاصّ ثمّ شكّ في أدائه تماماً أو بعضه ؛ لوضوح الفرق بين المقامين . 2 - وإمّا بناءً على عدم استصحاب حكم الإجماع ؛ لارتفاعه بعد تحقّقها [ الغسل مرّة ] . وإن كانا معاً لا يخلوان من نظر : أمّا الأوّل ، فلأنّ صفة الطهارة وما يحصل به الطهارة أمر شرعي لا يمكن حصوله إلّا بتوقيف من الشارع ، وأصالة البراءة لا تستقل بإثباته قطعاً ، فلا يمكن الحكم بحصول وصف الطهارة شرعاً لمتنجّس قد اشتبه موضوع ما تنجّس به أو حكمه بمجرّد غسلة واحدة لأصالة براءة الذمّة عن الزائد . وما عساه يقال : إنّه يثبت طهارته بعموم الأدلّة على طهارة كلّ ما لم يعلم نجاسته ، فإنّه بالغسلة الواحدة لم يعلم كونه طاهراً شرعاً أو نجساً ، يدفعه : إمكان منع عموم أدلّة على ذلك ؛ إذ أقصى ما يستفاد منه الحكم بطهارة الذي لم يعلم عروض التنجيس له ، أو الشيء لم يعلم لحوق وصف النجاسة له ابتداءً كالموضوعات المجهولة الحكم . أمّا ما ثبت نجاسته ولو في الجملة - كما في الفرض - فنمنع وجود عموم يدلّ على طهارته بمجرّد عدم العلم ببقاء وصف النجاسة له . نعم قد يقال : إنّه بناءً على ما ذكرت لا يكون محكوماً بطهارته ولا نجاسته ، كالإناء المشتبه بالنجس ، فلا ينجس به الطاهر ، ولا يكتفى به في امتثال ما علم اشتراطه بالطهارة ، دون ما كانت النجاسة مانعة منه . ولعلّنا نلتزمه [ عدم كونه طاهراً ولا نجساً ] أو نرتكب تخلّصاً آخر عن أصل البحث ، بأن ندّعي الفرق بين ما كان من قبيل الصفات كالنجاسة والطهارة ونحوهما وإن كانت تترتّب عليها تكاليف ، وبين ما كان من قبيل التكليف المحض كمثال القضاء والكفّارة ، فيتمسّك باستصحاب بقاء الوصف في الأوّل وإن جهل حكم سببه أو موضوع سببه ، بخلاف الثاني فننفيه بالأصل ؛ لأنّه تكليف محض . وأمّا الثاني - أي عدم استصحاب حكم الإجماع - فبما بيّناه في الأصول ، على أنّه يمكن فرض المقام فيما لا يكون مدركه الإجماع ، بل إطلاق دليل بالنجاسة ونحوه ، فتأمّل جيّداً ، فإنّ المقام من مزالّ الأقدام وكثير الفوائد ، وتمام البحث فيه في الأصول .
هامش
( 1 ) 1 ، 2 الذخيرة : 163 .
جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 404 | الشيخ محمد حسن النجفي الجواهري (صاحب الجواهر) / مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي