فيكون المدار حينئذٍ في كفر هذه الفرق من المسلمين : أنّهم إن صرّحوا بالتزام ما يرد على مذاهبهم ممّا علم بطلانه بالضرورة من الدين أو كانت نفس دعواهم كذلك حكم بكفرهم ، وإلّا فلا ، من غير فرق بين المجسّمة وغيرهم ، والظاهر أنّ التجسيم والتشبيه من حيث هما ليسا ممّا علم بطلانهما كذلك .
شرح
بل لعلّ ما تقدّم « 1 » من البيان والمسالك من التقييد بالحقيقة راجع إليه ، على أن يراد به [ بالتقييد ] نجاسة خصوص المجسّمة القائلين بأنّه كسائر الأجسام في الحقيقة ولوازمها من الحدوث والافتقار ، لا من يلزمهم ذلك وهم له منكرون ، وأولئك لا كلام في كفرهم عند الجميع لا من حيث القول بالتجسيم ، بل من حيث الحدوث والافتقار ونحوهما ممّا علم بطلانه من الدين ضرورةً .
وعليه حينئذٍ يحمل ما ورد بكفر المشبّهة ، كقول الرضا عليه السلام : « من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر » « 2 » بناءً على أنّ المجسّمة من المشبّهة ؛ إذ هم - على ما في قواعد العقائد وشرحها « 3 » - الذين قالوا : إنّ اللَّه تعالى في جهة الفوق ، ويمكن أن يرى كما ترى الأجسام .
وقد نصّ على نجاستهم في البيان « 4 » وعن المبسوط « 5 » والتحرير « 6 » والمنتهى « 7 » ، لكن مع التقييد في البيان بالحقيقة كالمجسّمة . فيبقى من قال بالتجسيم أو التشبيه مجرّداً عن دعوى الحدوث ونحوه على مقتضى أصل الطهارة وعموماتها وما دلّ على طهارة المسلم .
اللّهمّ إلّا أن يدّعى أنّ القول بهما في نفسه وحدّ ذاته من دون نظر إلى لازمه قد علم بطلانه بالضرورة من الدين .
وفيه منع ، سيّما بعد توهّمه من ظواهر الكتاب والسنّة ، كقوله تعالى :( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى )« 8 » ونحوه .
أو يدّعى ضروريّة استلزام تلك الدعوى الحدوث ونحوه بحيث لا يسمع إنكاره .
وفيه منع أيضاً ، وإن كان ربّما يؤيّده ما سمعته من إطلاق كفر المشبّهة مع عدم معروفيّة اعترافهم بما أورد عليهم من اقتضاء ذلك الحدوث ونحوه ، بل المعلوم منهم إنكاره ، نعم جوّزوا إمكان الرؤية ونحوها ممّا لم يكن ضروري البطلان .
إلّا أنّه قد يحمل ذلك [ ما ورد من إطلاق الكفر على المشبّهة ] على إرادة الكفر في الآخرة لا الدنيا ؛ تحكيماً لما دلّ على حصول الإسلام بالشهادتين عليه ؛ لموافقته لظاهر الأصحاب هنا من انحصار سبب كفر المسلم بإنكار الضروري المفروض الانتفاء هنا .
هامش
( 1 ) تقدّم في ص 290 .
( 2 ) الوسائل 28 : 341 ، ب 10 من حدّ المرتد ، ح 5 .
( 3 ) قواعد العقائد وشرحها كشف الفوائد : 57 - 58 .
( 4 ) البيان : 91 .
( 5 ) المبسوط 1 : 14 .
( 6 ) التحرير 1 : 158 .
( 7 ) المنتهى 3 : 224 .
( 8 ) طه : 5 .