نعم ، لو كان المنكر [ جديد الإسلام أو ] بعيداً عن بلاد الإسلام بحيث يمكن في حقّه خفاء الضرورة لم يحكم بكفره بمجرّد ذلك ( 1 ) .
أمّا لو أصرّ بعد الظهور والاطّلاع وإن كان لشبهة ألجأته إليه حكم بكفره ( 2 ) .
فالحاصل : أنّه متى كان الحكم المنكَر في حدّ ذاته ضروريّاً من ضروريّات الدين ثبت الكفر بإنكاره ممّن اطّلع على ضروريّته عند أهل الدين ، سواءً كان ذلك الإنكار لساناً خاصّةً عناداً ، أو لساناً وجناناً .
ومنه يظهر الفرق حينئذٍ بين الضروري وغيره من القطعي كالمجمع عليه ونحوه ، فإنّه لا يثبت الكفر بالثاني إلّا مع حصول العلم ثمّ الإنكار ، بخلافه في الضروري فيثبت وإن لم يكن إنكاره كذلك ( 3 ) .
وكيف كان ، فلا كلام في نجاسة ما في المتن من الفرقتين [ أي الخوارج والغلاة ] ( 4 ) .
شرح
( 1 ) ولعلّه ينزّل عليه التقييد السابق في كشف اللثام ، فلا ينافي ما ذكرنا [ من تسبيب إنكار الضروري بنفسه للكفر ] .
كما أنّه يحتمل تنزيل ما تقدّم من مجمع البرهان على إرادة لزوم إنكار الضروري لإنكار الشريعة في نفسه وحدّ ذاته وإن لم يكن عند المنكر ، فلا ينافيه [ ما ذكرنا ] أيضاً وإن كان احتمال ذلك في كلامه بعيداً ، بل ممتنعاً .
( 2 ) لعدم معذوريّته ، وظهور تقصيره في دفع تلك الشبهة ، كمن أنكر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مثلًا لشبهة .
( 3 ) وقد يؤيّد ذلك كلّه ما حكاه شيخنا في مفتاح الكرامة ، قال : « وهنا كلام في أنّ جحود الضروري كفر في نفسه ، أو لأنّه يكشف عن إنكاره النبوّة مثلًا ؟ ظاهرهم الأوّل ، واحتمل الأستاذ الثاني » قال : « فعليه لو احتمل وقوع الشبهة عليه لم يحكم بكفره ، إلّا أنّ الخروج عن مذاق الأصحاب ممّا لا ينبغي » « 1 » انتهى .
قلت : وهذا من أستاذه اعتراف بما ذكرناه من مراد الأصحاب ، حتى أنّه ذكر ما ينافيه بصورة الاحتمال ، ثمّ كرّ عنه . ويؤيّده قرائن كثيرة تشهد على إرادتهم ذلك لا يسع المقام تعدادها ، خصوصاً مع ملاحظة باب الحدود .
6 / 50 / 80
ففي القواعد هناك : أنّه « يحصل الارتداد إمّا بالفعل ، وإمّا بالقول كاللفظ الدالّ بصريحه على جحد ما علم ثبوته من دين الإسلام ضرورة ، وعلى اعتقاد ما يحرم اعتقاده بالضرورة من دين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، سواءً كان القول عناداً أو اعتقاداً أو استهزاءً » « 2 » .
إلّا أنّا قد بلينا في عصرنا هذا في بلدنا هذه بمن يدّعي القطع واليقين بأنّ مراد الأصحاب ذلك الاحتمال [ أي الذي يكشف عن إنكار الدين والنبوّة ] بحيث لا يسمع كلاماً من أحد ولا رشداً ممّن أرشد ، ولو أنّ ذلك كان منه بعد التأمّل والنظر لكان حقيقاً بأن يعذر ، واللَّه أعلم .
( 4 ) كما في جامع المقاصد وعن الدلائل « 3 » ، بل عن الأخير والروض الإجماع عليهما « 4 » ، وهو كذلك .
هامش
( 1 ) مفتاح الكرامة 1 : 143 .
( 2 ) القواعد 3 : 573 .
( 3 ) جامع المقاصد 1 : 164 . نقله عن الدلائل في مفتاح الكرامة 1 : 144 .
( 4 ) الروض 1 : 437 .