. . . . . . . . . .
شرح
الفضلاء ، بل ربّما استظهر نفيه - أي الخلاف - من اللمعتين وأطعمة المسالك أيضاً « 1 » .
ولا ينافيه [ نفي الخلاف ] تردّد الفاضلين بذلك في حدود الشرائع والقواعد ولا قولهما : « الأشبه » و « الأقرب » « 2 » ؛ إذ لعلّه لتعارض الأمارات لا لوجود القائل ، بل هو الظاهر منهما سيّما الأوّل [ أي الشرائع ] كما يومئ إليه عدم حكاية ذلك في وجه التردّد عن أحد من شرّاح كلامهما :
1 - للُاصول العقليّة والشرعيّة السالمين عن المعارض المعتضدين بالسيرة والعمل من سائر المسلمين في عصرنا هذا الكاشف عمّا قبله .
2 - ولتعليق الحلّ والحرمة على الإسكار ولو بالكثير وعدمه في الأخبار « 3 » المستفيضة جدّاً إن لم تكن متواترة ، وفيها الصحيح والحسن وغيرهما ، المتضمّنة أسئلتها عن نبيذ التمر وغيره ، حتى أنّه في خبر ابن وهب عن الصادق عليه السلام : قلت له : إنّ رجلًا من بني عمّي من صلحاء مواليك أمرني أن أسألك عن النبيذ ، فأصفه لك ؟ فقال عليه السلام : « أنا أصفه لك ، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : كلّ مسكر حرام ، فما أسكر كثيره فقليله حرام » « 4 » الحديث .
ودعوى عدم منافاتها لتحقّق الإسكار فيه ولو خفيّاً بغليانه قبل ذهاب ثلثيه ولو باعتبار بعض الأمزجة أو الأمكنة أو الأزمنة أو الأهوية . ومَن جرّب ذلك بالكثير منه فوجد خلافه ؟ مع الغضّ عمّا فيها [ الأخبار ] من الاكتفاء بذلك البعض وإجمال الكثرة وغيرهما ، ممنوعة أشدّ المنع ؛ لعدم الشاهد لها من عقل أو شرع أو عرف ، بل لعلّ الأخيرين شاهدا عدل على خلافها ؛ إذ الوجدان والعيان على عدم تحقّق الإسكار بأكثر ما يستطيع شربه الإنسان .
وترك الشارع بيانه في وقت الحاجة والسؤال - مع شدّة خفائه إن فرض إسكاره - أكبرُ شاهد على عدمه ، بل كاد يكون خبر محمّد بن جعفر عن أبيه عليه السلام - في القوم الذين قدموا من اليمن فأرسلوا وفداً لهم يسأل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم عن عصير التمر ، ثمّ لم يكتفوا بذلك حتى سألوه بأنفسهم « 5 » - صريحاً في ذلك سؤالًا وجواباً « 6 » ، مع وضوح دلالته على أصل المطلوب من وجوه أخر ، فلاحظ .
هامش
( 1 ) الروضة 7 : 321 . المسالك 12 : 76 .
( 2 ) الشرائع 4 : 169 . القواعد 3 : 550 .
( 3 ) انظر الوسائل 25 : 336 ، ب 17 من الأشربة المحرّمة .
( 4 ) المصدر السابق : ح 1 .
( 5 ) الوسائل 25 : 355 ، ب 24 من الأشربة المحرّمة ، ح 6 .
( 6 ) في هامش المطبوعة ورد ما يلي : « قال : قدم على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم من اليمن قوم ، فسألوه عن معالم دينهم فأجابهم ، فخرج القوم بأجمعهم ، فلمّا ساروا مرحلة قال بعضهم لبعض : نسينا أن نسأل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم عمّا هو أهمّ إلينا ، ثمّ نزل القوم ، ثمّ بعثوا وفداً لهم فأتى الوفد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا رسول اللَّه إنّ القوم بعثوا بنا إليك يسألونك عن النبيذ ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : وما النبيذ ؟ صفوه لي ، فقالوا : يؤخذ من التمر فينبذ في إناء ثمّ يصبّ عليه الماء حتى يمتلئ ويوقد تحته حتى ينطبخ ، فإذا انطبخ أخذوه فألقوه في إناء آخر ثمّ صبّوا عليه ماءً ثمّ يمرس ثمّ صفّوه بثوب ثمّ يلقى في إناء ثمّ يصبّ عليه من عكر ما كان قبله ثمّ يهدر ويغلى ثمّ يسكن على عكرة ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : يا هذا قد أكثرت ، أفيسكر ؟ قال : نعم ، فقال : فكلّ مسكر حرام ، قال : فخرج الوفد حتى انتهوا إلى أصحابهم فأخبروهم بما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال القوم : ارجعوا بنا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم حتى نسأله عنها شفاهاً ولا يكون بيننا وبينه سفير ، فرجع القوم جميعاً ، فقالوا : يا رسول اللَّه إنّ أرضنا لأرض دويّة ونحن قوم نعمل الزرع ولا نقوى على العمل إلّا بالنبيذ ، فقال لهم رسول اللَّه : صفوه لي ، فوصفوه كما وصفه أصحابهم ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : أفيسكر ؟ فقالوا : نعم ، قال : كلّ مسكر حرام » ، ( منه رحمه الله ) .