. . . . . . . . . .
شرح
ومع ذا ، فهو [ دعوى ظهور الصحيح في تعدّد الأفراد وتكثّرها ثمّ تخصيصها أو حملها على المتعارف ] ليس بأولى من حمله على إرادة العموم بالنظر إلى أفراد العنب وأقسامه ، وإلى ما ظهر إسكاره أو اتّخذ له وعدمه ، وإلى ما اخذ من كافر أو مسلم مستحلّ لما دون الثلثين وعدمه ، وإلى الممزوج بغيره مع عدم الاستهلاك وعدمه ، إلى غير ذلك .
وربّما يؤيّده [ حمل « كلّ عصير » في الصحيح على إرادة أفراد العنب ] تعرّض النصوص لحكم العصير في بعض الأحوال المذكورة أو أكثرها .
بل لعلّ تنزيل الصحيح على ذلك [ أفراد العنب ] متعيّن ، بناءً على ما سمعته من معروفيّة إطلاق العصير على خصوص العنبي .
وأمّا خبرا النضوح « 1 » فلعلّ الوجه فيهما إرادة التعليم لدفع الخمرية الحاصلة من إنباذ التمر وإنقاعه ؛ وذلك لأنّ النضوح ضرب من الطيب يتّخذ من ماء التمر وغيره .
وقد حكي عن بعض الأفاضل « 2 » في كيفيّته أنّه ينقعون التمر والسكّر والقرنفل والتفاح والزعفران وأشباه ذلك في قارورة فيها قدر مخصوص من ماء ، ويشدّ رأسها ويصبرون أياماً حتى ينشّ ويتخمّر .
وهو شائع بين نساء الحرمين ، وكيفيّة تطيّب المرأة به أن تحطّ الأزهار بين شعر رأسها ثمّ ترشرش به الأزهار لتشتدّ رائحتها .
قلت : ولذا أمر الصادق عليه السلام بإهراقه في البالوعة في خبر عيثمة « 3 » ، قال : دخلت عليه وعنده نساؤه ، فشمّ « 4 » رائحة النضوح ، فقال : « ما هذا ؟ » قالوا : نضوح يجعل فيه الضياح ، فأمر به فاهريق في البالوعة « 5 » الحديث . فأراد الإمام عليه السلام بذهاب الثلثين زوال الأجزاء المائيّة التي هي منشأ الاختمار كما في العنب .
ويومئ إلى ذلك كلّه ما عرفته من أنّ النضوح إنّما يستعمل في غير المأكول ، ومن اعتبر ذهاب الثلثين إنّما يعتبرها للأكل ، فيعلم حينئذٍ إرادة التخلّص بذلك [ بالكيفيّة الواردة في خبري النضوح ] عن الخمرية المورثة نجاسة في الشعر وغيره من محالّ الطيب ، وهو الذي سأل الراوي عن حلّه .
اللّهمّ إلّا أن يكون القائل باعتبار الثلثين اعتبر ذلك بالنسبة للحرمة والنجاسة ، كما لعلّه الظاهر من المحكيّ عن بعضهم « 6 » ، إلّا أنّك قد عرفت سابقاً حكاية الإجماع على الطهارة .
وكيف كان ، فحمل الخبرين على ما ذكرنا [ من إرادة التعليم لدفع الخمرية ] متّجه ، لا أقلّ من الاحتمال المبطل للاستدلال .
هامش
( 1 ) الوسائل 25 : 373 ، 379 ، ب 32 ، 37 من الأشربة المحرّمة ، ح 2 ، 1 .
( 2 ) مجمع البحرين 2 : 419 .
( 3 ) في التهذيب : « عثيمة » .
( 4 ) في المصدر : « قال : فشمّ » .
( 5 ) التهذيب 9 : 123 ، ح 529 . الوسائل 25 : 373 ، ب 32 من الأشربة المحرّمة ، ح 1 .
( 6 ) الحدائق 5 : 141 ، نقلًا عن الشيخ سليمان البحراني .