. . . . . . . . . .
شرح
ومن هنا رماه بالضعف تارةً ، وبالخبط أخرى ، إلّا أنّه قال بعد ذلك : « اللّهمّ إلّا أن يريد أنّ الميّت ليس بنجس ، وإنّما يجب الغسل تعبّداً كما هو مذهب الشافعي » « 1 » .
قلت - مع أنّ كلامه صريح في خلافه - : قد عرفت فيما مضى حكاية الإجماع من غير واحد ، بل وتحصيله على النجاسة ، ولقد أطنب المصنّف في مناقشته والإزراء عليه بما لا يسع المقام ذكره مفصّلًا ، بل ولا يحتاج بعد وضوح فساد الدعوى . ولعلّ صدور مثل ذلك من الحلّي ، كصدور نظيره من العلّامة في خصوص المباشر اليابس [ مع أنّه يقول بنجاسة الملاقي في اليابس ] وما سمعته سابقاً من الخلاف في النجاسة وعدمها في حال الحرارة . وكذا إطلاق بعضهم حكميّة نجاسة الميّت ، وآخر العينيّة ، ونحو ذلك هو الذي ألجأ الصيمري في كشف الالتباس إلى إساءة الأدب مع الأصحاب الذين بهم تمّت الحجّة وقامت الشريعة ، وإلى ما لا نأمل أن يقع من مثله بالنسبة إليهم ، قال فيه : « اعلم أنّ نجاسة الميّت أشكل مسألة في الشرع ، ولقد خبط فيها علماء السنّة والشيعة خبط عشواء » « 2 » .
ثمّ إنّه أطنب في المقال غاية الإطناب ، وظنّ أنّه جاء بشيء ، والناظر فيه يعلم أنّه عن ذاك بمعزل . وليت شعري ما الذي حداه إلى ذلك هنا ؟ ! فإن كان تعدّد أقوال الأصحاب فهو أقلّ قليل بالنظر إلى غير المقام ، وإن كان إجمال الأمر عليه حيث لم يعرف مرادهم بالحكميّة والعينيّة ، فهو قصور منه لا عيب منهم ، مع أنّه صرّح غير واحد بما يكشف ذلك ، فقال : إنّ الحكميّة :
1 - قد تطلق ويراد بها ما لا جرم له من النجاسات كالبول اليابس ونحوه .
2 - وقد تطلق ويراد بها ما يكون المحلّ الذي قامت به طاهراً لا ينجس الملاقي له [ ولو بالرطوبة ] ، ويحتاج زوال حكمها إلى النيّة .
3 - وقد تطلق ويراد بها ما يقبل التطهير من النجاسات كبدن الميّت .
4 - وقد تطلق ويراد بها ما حكم الشارع بتطهيرها من غير أن يلحقها حكم غيرها من النجاسات العينية ، وتقابلها العينيّة في الأربعة .
فإطلاق الأصحاب حينئذٍ عليها حكميّة تارةً وعينيّة أخرى إنّما هو باختلاف الجهتين والاعتبارين ، أو من جهة اختيار أحد القولين السابقين ، وليس ذلك من التناقض في شيء ، حتى يلتجئ له إلى هذا التشنيع الشنيع ، وكأنّه لم يلحظ إيضاح الفخر أو جامع المقاصد والروض وفوائد القواعد « 3 » . وقد عرفت أنّ الأقوى عندنا أنّها حكميّة ، بمعنى قبولها للتطهير واحتياجها إلى النيّة ، وعينيّة بمعنى تعدّي النجاسة منها إلى ما يلاقيها برطوبة ، وكذا ما لاقى ما يلاقيها كذلك ولولا مخافة الإطناب لتعرّضنا إلى ما يكشف عنه ما توهّم من دعوى التناقض في كلمات الأصحاب ، كما أنّه لولاه لكشفنا اللثام عن أمور أخر لها نوع تعلّق في المقام ، ولعلّ فيما ذكرنا الكفاية إن شاء اللَّه .
هامش
( 1 ) المعتبر 1 : 351 .
( 2 ) كشف الالتباس 1 : 320 .
( 3 ) الإيضاح 1 : 65 - 66 . جامع المقاصد 1 : 460 - 461 . الروض 1 : 313 . فوائد القواعد : 59 .