[ والأقوى الاستحباب مطلقاً ولو للتوبة من الصغيرة ] ( 1 ) .
شرح
( 1 ) بل ربّما قيل باستفادة استحباب الغسل للتوبة ولو من الصغير كما يقتضيه عبارة من أطلق استحباب الغسل لها ، بل في صريح المنتهى الإجماع عليه « 1 » ؛ بدعوى إشعار الاستدلال عليه بالآية الشريفة كقوله عليه السلام في آخره : « وأسأله التوبة من كلّ ما يكره » ، مع ظهور صغر ذنبه الذي قد أمره الإمام عليه السلام بالتوبة منه ؛ إذ ليس هو إلّا الإقدام على ما يحتمل كونه معصية وترك السؤال عنه كما هو ظاهر الرواية ، ولم يثبت كون ذلك من الكبائر . وجعل الإمام عليه السلام له أمراً عظيماً إمّا لعظمه في نفسه ، أو لأنّه في مقام الزجر والردع ، أو غير ذلك .
قلت : لكنّ الإنصاف أنّ ذلك كلّه تعسّف :
1 - لعدم الإشعار في الاستدلال بالآية - كالكلّية في آخره - بالاغتسال لكلّ ذنب .
2 - والجاهل المقصّر كالعالم في عظم الذنب وصغره أيضاً .
3 - ولا ريب في كون استماع الغناء - سيّما من مثل الجواري ؛ إذ الغالب اشتماله على الملاهي حينئذٍ وغيره - كبيرة من العالم .
4 - وأيضاً مع التسليم ، فالمفهوم من قوله عليه السلام : « كنت مقيماً » الإصرار على ذلك وهو كبيرة .
فظهر حينئذٍ أنّ الاستدلال به على ذلك لا يخلو من تأمّل ، فمن هنا اقتصر في الغنية ، كما عن غيرها على الكبيرة « 2 » ، وربّما فهم من نحو عبارة المصنّف والقواعد « 3 » ؛ لعدم تحقّق الفسق بالصغيرة ، إلّا أن يصرّ عليها ، فتكون كبيرة حينئذٍ .
ومنه يظهر دليل آخر غير الأصل ؛ لعدم استحباب الغسل لها ، من حيث وقوعها مكفّرة ، فلا توبة منها حتى يشرع الغسل لها . لكن قد يقال : إنّه يكفي في ثبوت الاستحباب إجماع المنتهى المؤيّد بصريح الفتوى من جماعة ، كإطلاق آخرين الغسل للتوبة ، حتى نسب إلى الأصحاب في المعتبر « 4 » ، وعدّه في الوسيلة من المندوب بلا خلاف « 5 » ، بل لعلّ عبارة المصنّف ونحوها يراد من الفسق فيها - بقرينة المقابلة بالكفر - ما هو أعمّ منهما . فينحصر الخلاف حينئذٍ في خصوص من قيّد بالكبيرة ، وهو قليل . وفي المصابيح : أنّ التعميم هو المشهور بل المجمع عليه ؛ لندرة المخالف وانقراضه بالنسبة إلى أولئك « 6 » ، مع احتمال عدم التخصيص منهم . كما أنّه يحتمل أيضاً شمول الكبيرة ، بدعوى أنّ سائر الذنوب كبائر وإن اختلفت شدّةً وضعفاً ، كما عن بعض نسبته إلى الجميع « 7 » ، وآخر إلى الأكثر 8 . والصغائر تقع مكفَّرة في حال الغفلة والنسيان ، وإلّا فالتوبة واجبة عن كلّ ذنب ، والصغيرة بترك التوبة تكون كبيرة ، ولعلّه على هذا يحمل قوله تعالى :( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ )« 9 » الآية . على أنّ محلّ البحث حيث تتحقّق التوبة عن الصغيرة التي ليست بكبيرة ، كما لو فرض إرادة التوبة عن بعض الصغائر لمرتكب الكبائر ، ودعوى عدم جواز تبعيض التوبة ممنوع ، فتأمّل جيّداً .
فظهر لك أنّ الأقوى حينئذٍ استحباب الغسل مطلقاً .
هامش
( 1 ) المنتهى 2 : 474 ، 475 .
( 2 ) الغنية : 62 .
( 3 ) القواعد 1 : 178 .
( 4 ) المعتبر 1 : 359 .
( 5 ) الوسيلة : 54 - 55 .
( 6 ) 6 ، 8 مصابيح الأحكام : 204 .
( 7 ) مجمع البيان 3 - 4 : 38 .
( 9 ) النساء : 31 .