[ والأقوى ] الجواز مع قطع النظر عن النبش ، فيكون كما لو لم يدفن ، فيقيّد عندنا حينئذٍ بما لم يكن فيه هتك لحرمته من خروج رائحة ونحوها . كما أنّ الأقوى العدم مع النظر إليه ( 1 ) ، سيّما إذا كان مع ذلك متضمّناً
شرح
( 1 ) لما عرفت من الأدلّة على حرمته .
وما يقال : إنّ دليله الإجماع وهو مفقود في محل النزاع فالأصل الجواز ، ضعيف ؛ لما عرفته من إطلاق الإجماعات المنقولة ، بل إطلاق أوامر الدفن وغير ذلك . ومثله ما يقال من تقييد هذه الأدلّة في خصوص ما نحن فيه بالرواية المرسلة « 1 » على لسان من عرفت ، وبالأخبار السابقة المتضمنة لنقل نوح عظام آدم على نبيّنا وآله وعليهما السلام إلى الغري « 2 » وموسى يوسف على نبيّنا وآله وعليهما السلام إلى الشام « 3 » ، وكونه فعل الشرع السابق قد عرفت دفعه .
كلّ ذا ، مع التأييد بما فيه من صلاح الميّت ودفع الضرر عنه بمجاورته من هو أهل لجلبه ودفعه ، بل قد يتمسّك بإطلاق ما دلّ على استحباب الدفن في أراضيهم وجوارهم الشامل لما بعد الدفن أيضاً ، وهو إمّا خاصّ بالنسبة إلى حرمة النبش أو من وجه ، والترجيح له بما عرفت ، وبما نقل عن جملة من علمائنا أنّهم دفنوا ثمّ نقلوا كالمفيد من داره بعد مدّة إلى جوار الكاظمين عليهما السلام « 4 » ، والمرتضى من داره إلى جوار الحسين عليه السلام « 5 » ، والبهائي من أصبهان إلى المشهد الرضوي « 6 » على مشرّفه السلام ، وقد كان في مثل هذه الأوقات من الفضلاء ما لا يحصي عددهم إلّا اللَّه ، سيّما في زمن المفيد والمرتضى مع شدّة قربه أيضاً لزمان الأئمة عليهم السلام والمعاصرين للمعاصرين لهم .
وفيه : أنّه لا ينطبق على أصولنا ؛ إذ تقييد تلك الأدلّة مع تعدّدها وتأيّدها بمثل هذه الرواية المرسلة التي لا جابر لها ، بل عرفت عمل المشهور على خلافها ، بل ظاهر من أرسلها عدم الالتفات إليها في النهاية ، كما أنّه في غيرها جعل العدم أفضل وأحوط .
وكذا الخبران الآخران ، مع إمكان اختصاصهما بمضمونهما ، وعدم القصد من النقل التعليم ، كما لعلّه الظاهر في خصوص المقام ، واحتمال تنزيل خبر نوح عليه السلام على عدم النبش ، بل كان أخرجه الماء أو حذراً من إظهار الماء له فيخرج عن الدفن حينئذٍ ، وهو منافٍ لحرمة مثله إلى غير ذلك .
والعلم بأنّ ذلك صلاح للميّت أو فساد مختصّ بعلّام الغيوب ، فلعلّ في النبش مفسدة تقابل المصلحة وتفضل عليها ، بل عرفت أنّ الشيخ في المصباح صرّح بأنّ الأفضل العدم ، فلا طريق لنا إلّا التعبّد بظاهر الأدلّة .
ومن الغريب التمسّك بما ذكر على استحباب الدفن في المشاهد ونحوها ؛ إذ هي - بعد تسليم الترجيح لها على فرض العموم من وجه - صريحة أو كالصريحة في غير المدفون ، لا فيه على أن ينبش فيدفن فيها ، كما هو واضح .
ونقل أولئك العلماء - مع عدم ثبوته - لا يقضي بكون ذلك رأي فضلاء الوقت ، بل يكفي فيه تقليد الوليّ لواحد وإن كان الباقي على خلافه ، على أنّ ذلك ليس من الحجج الشرعية . فلا ريب أنّ الأقوى العدم حينئذٍ .
هامش
( 1 ) انظر ص 616 .
( 2 ) المستدرك 2 : 309 ، ب 13 من الدفن ، ح 5 .
( 3 ) الوسائل 3 : 162 ، ب 13 من الدفن ، ح 2 .
( 4 ) رجال النجاشي : 403 ، الرقم 1067 .
( 5 ) الدرجات الرفيعة : 463 .
( 6 ) روضات الجنّات 7 : 59 .