. . . . . . . . . .
شرح
والأقوى الأوّل ؛ لإطلاق أو عموم ما دلّ على حرمة النبش من الإجماعات السابقة وغيرها ، سيّما ما في المعتبر من دعوى إجماع المسلمين على حرمته إلّا في صور أربع « 1 » ولم تكن هذه منها . ولعلّ غيره كذلك أيضاً .
هذا إن لم نقل إنّه الموافق لأوامر الدفن المراد منها بعده استدامته كما تقدّم تحقيقه سابقاً ، فلاحظ .
وقد استدلّ بذلك - أي بحرمة النبش - جماعة من الأصحاب منهم العلّامة والشهيد والمحقّق الثاني « 2 » وغيرهم ، بل لا دليل لهم سواه كما اعترف به بعضهم « 3 » .
واعترضه في المدارك والرياض « 4 » تبعاً لمجمع البرهان « 5 » بخروجه عن محل النزاع ؛ إذ المراد هنا النقل بعد الدفن من حيث هو كذلك من دون نظر إلى النبش ، فربّما يقع منه وهو محرّم ، وقد لا يكون كذلك كما إذا وقع بفعل غير المكلّف أو بفعله خطأ أو نسياناً .
وفيه : أنّه لا يخفى على الملاحظ لكلمات الأصحاب أنّ محل النزاع في ذلك إنّما هو من حيث النبش كما يشعر به استدلالهم عليه به ، بل جعله بعضهم « 6 » من الصور المستثناة منه .
نعم ، قد يظهر من عبارة المتن - كالقواعد « 7 » - كون حرمته لنفسه لا من حيث النبش ؛ لمكان عطفهما له عليه .
ولعلّهما أرادا التنصيص عليه ؛ لوقوع الجواز في كلام بعض « 8 » من تقدّمهما ، فيكون حينئذٍ من عطف الخاصّ على العام ، أي لا يجوز مطلق النبش ولا النبش للنقل .
كما أنّ مراد من أطلق حرمة النقل بعد الدفن إنّما هو الغالب من توقّفه على النبش غالباً ، وأنّ من جوّز أراد جواز النبش لذلك ، وإلّا فلم نقف على ما يدلّ على المنع منه بحيث يختصّ به على النقل سابقه حتى يحصل الفرق بينهما في الجواز وعدمه ؛ إذ هو - مع قطع النظر عن النبش - ميّت لم يدفن ، فيجري ما يجري فيه من الأحكام ، ومجرّد وضعه في حفرة آناً ما ثمّ اخرج منها وبقي مكشوفاً لم يقلب حكمه .
اللّهم إلّا أن يقال : إنّه لمّا دفن لم تبق مصلحة في نقله من حيث وقوع السؤال له ورؤيته تلك الأهوال ونحو ذلك .
وفيه - مع أنّه لا يقضي بالحرمة ؛ إذ أقصاه أنّه يكون كالنقل قبل الدفن إلى ما لا صلاح للميّت فيه في الكراهة - : أنّه لا تنحصر المصالح والمفاسد بذلك ، وكيف ؟ ! ومنها الشفاعة في يوم القيامة ، أو تخفيف ما هو فيه ونحو ذلك .
أو يقال : إنّ في نقله من نفس القبر هتكاً للحرمة ومثلة به ، بخلافه قبل الدفن ؛ فلذا يحكم بالحرمة من دون نظر إلى النبش .
وفيه - مع أنّه ممنوع ، بل هو مساوٍ له قبله في كلّ ما يفرض - : أنّه ينبغي أن تخصّ حينئذٍ الحرمة بما إذا كان النقل من نفس القبر ، أمّا لو كان من غيره كما لو اتفق أنّه نبشه نابش فأخرجه عن قبره فلا ، بل اللازم اختصاصها بذلك الآن الذي اخرج منه ، أمّا بعد خروجه وإرادة نقله فلا . وكيف كان فالأقوى [ ذلك ] .
هامش
( 1 ) المعتبر 1 : 308 .
( 2 ) التذكرة 2 : 102 . الذكرى 2 : 12 . جامع المقاصد 1 : 451 .
( 3 ) الرياض 2 : 246 .
( 4 ) المدارك 2 : 155 . الرياض 2 : 246 .
( 5 ) مجمع الفائدة والبرهان 2 : 504 .
( 6 ) الموجز الحاوي ( الرسائل العشر ) : 52 .
( 7 ) القواعد 1 : 234 .
( 8 ) المبسوط 1 : 187 .