تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 595

مساهمون:

ص٥٩٥
. . . . . . . . . .
شرح
ولعلّ ما عن التقي : « من السنّة تعزية أهله ثلاثة أيام وحمل الطعام إليهم » « 1 » لا يريد به تحديدها بذلك ، بل يريد إمّا التأكّد أو التعزية تمام الثلاثة كما فعلته فاطمة عليها السلام ، أو التكرير ولو من الشخص الواحد ، أو نحو ذلك . نعم ، قد يشعر ذكر المأتم ثلاثة فيها كغيرها من الحسن كالصحيح ، قال : أوصى أبو جعفر عليه السلام بثمانمائة درهم لمأتمه ، وكان يرى ذلك من السنّة ؛ لأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال : « اتخذوا لآل جعفر طعاماً فقد شغلوا » « 2 » بعدم كراهة الجلوس والاجتماع للتعزية . كما عساه يشعر به أيضاً إطعام الطعام عنه ، كقول أبي جعفر عليه السلام : « ينبغي لجيران صاحب المصيبة أن يطعموا عنه الطعام ثلاثة أيام » « 3 » . ونحوه ؛ من حيث ظهور المأتم والإطعام عنه بحصول الاجتماع . مضافاً إلى إطلاق الأمر بالتعزّي والتزاور وغيرهما . فما في المبسوط من أنّه يكره الجلوس للتعزية إجماعاً - وتبعه ابن حمزة والمصنّف في ظاهر المعتبر كما عن العلّامة في المختلف « 4 » - لا يخلو من ضعف ، مع أنّا لم نعرف أحداً ممّن تقدّم نصّ على الكراهة ، ولا أشير لها في رواية . وما يقال من أنّ في ذلك منافاة للرضا بقضاء اللَّه والصبر ونحوهما كما ترى : 1 - لا وجه له . 2 - ولا اقتضاء فيه . 3 - بل ربّما كان الأمر بالعكس . 4 - وأوامر المأتم تشهد بعدمه أيضاً . 5 - وروى الصدوق : أنّه « أوصى أبو جعفر عليه السلام أن يندب في المواسم عشر سنين » « 5 » . 6 - وفي خبر الكاهلي عن أبي الحسن عليه السلام : « كان أبي يبعث امّي وامّ فروة تقضيان حقوق أهل المدينة » « 6 » إلى غير ذلك . ومن هنا أنكر ابن إدريس على الشيخ إجماعه وقال : « إنّه لم يذهب أحد من أصحابنا المصنّفين إلى ذلك ، ولا وضعه في كتاب ، وإنّما هذا من فروع المخالفين وتخريجاتهم ، وأيّ كراهة في جلوس الإنسان للقاء إخوانه والدعاء والتسليم عليهم ، واستجلاب الثواب لهم في لقائه وعزائه ؟ ! » « 7 » . ومال إليه جماعة ممّن تأخّر عنه منهم الشهيد في دروسه وذكراه وبيانه « 8 » . واعترضه المصنّف في المعتبر ؛ بأنّ الاجتماع والتزاور من حيث هو مستحبّ ، أمّا إذا جعل لهذا الوجه واعتقد شرعيته فإنّه يفتقر إلى الدلالة ، واستدل بالإجماع على كراهيّته ؛ إذ لم ينقل عن أحد من الصحابة الجلوس لذلك ، فاتخاذه مخالف لسنّة السلف ، لكن لا يبلغ أن يكون حراماً « 9 » . وفيه : أنّ عدم فعل السلف له لا يقتضي الكراهة . فلعلّه مباح بالنظر إلى خصوصيته ، كما لعلّه الأقوى ؛ إذ لا رجحان لهذه الهيئة بخصوصها ، وإن كان ربّما ترجّح بالعارض ، كما أنّه قد تكون مرجوحة ، بل قد يصلان إلى حدّ الوجوب والحرمة ، كما في مثل زماننا الآن بحسب الجهات والاعتبارات ، وذلك أمر خارج عن محلّ النزاع .
هامش
( 1 ) الكافي : 240 . ( 2 ) الوسائل 3 : 238 ، ب 68 من الدفن ، ح 1 . ( 3 ) الوسائل 3 : 237 ، ب 67 من الدفن ، ح 5 ، وفيه : « عن أبي عبد اللّه عليه السلام » . ( 4 ) المبسوط 1 : 189 . الوسيلة : 69 . المعتبر 1 : 344 . المختلف 2 : 320 . ( 5 ) الفقيه 1 : 182 ، ح 547 . الوسائل 3 : 239 ، ب 69 من الدفن ، ح 2 . ( 6 ) الوسائل 3 : 239 ، ب 69 من الدفن ، ح 1 . ( 7 ) السرائر 1 : 173 . ( 8 ) الدروس 1 : 116 . الذكرى 2 : 45 . البيان : 79 - 80 . ( 9 ) المعتبر 1 : 344 .