تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
أوّلًا : الدفن ( 1 ) وهو لغة وعرفاً وشرعاً ( مواراته « 1 » في الأرض ) بأن يحفر له حفيرة فيدفن فيها ، لكن [ هل يجب أن تكون بحيث تكتم رائحته وتحرسه عن السباع أو لا ؟ ] ( 2 ) 4 / 290 / 502
شرح
( 1 ) 1 - إجماعاً منّا ، بل من المسلمين إن لم يكن ضروريّاً ، كما حكاه جماعة منهم الفاضلان « 2 » . 2 - وتأسّياً بالنبي وعترته صلوات اللَّه عليهم والمسلمين بعده . 3 - وسنّة ، بل وكتاباً : أ - كقوله تعالى :( أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً * أَحْياءً وَأَمْواتاً )« 3 » على أظهر الوجهين فيها بأن يكون « أحياءً » منصوباً بسابقة ، والكُفت : الضم . ب - وقوله تعالى أيضاً :( مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ )« 4 » إلى غير ذلك ، بل هو غنيّ عن الاستدلال . ( 2 ) نصّ جماعة على كون الحفيرة تحرسه من السباع وتكتم رائحته عن الناس . بل في المدارك : أنّه « قد قطع الأصحاب وغيرهم بأنّ الواجب وضعه في حفيرة تستر عن الإنس ريحه ، وعن السباع بدنه بحيث يعسر نبشها غالباً » « 5 » انتهى . قلت : ولعلّه لتوقّف فائدة الدفن على ذلك إن لم يُدّع توقّف مسمّاه ، كما أشار إليه الرضا عليه السلام على ما عن علل ابن شاذان : أنّه « يدفن لئلّا يظهر الناس على فساد جسده وقبح منظره وتغيّر ريحه ، ولا يتأذى به الأحياء وبريحه وبما يدخل عليه من الآفة والدنس والفساد ، وليكون مستوراً عن الأولياء والأعداء ، فلا يشمت عدوّ ولا يحزن صديق » « 6 » . وكأنّه أشار إلى ذلك في الذكرى وتبعه عليه غيره حيث قال : « والوصفان في الغالب متلازمان ، ولو قدّر وجود أحدهما وجب مراعاة الآخر ؛ للإجماع على وجوب الدفن ، ولا يتم فائدته إلّا بهما » « 7 » . هذا كلّه مع إمكان دعوى توقّف اليقين بالبراءة من التكليف بالدفن شرعاً أو لغة وعرفاً عليه ، سيّما مع كون المعهود والمتعارف في القبور ذلك . لكن مع ذا كلّه فللنظر والتأمّل فيه مجال ، كالتأمّل في دعوى ثبوت الإجماع عليه ؛ لخلوّ كثير من كلمات الأصحاب عن التعرّض لذلك . ومن هنا لم أعثر على من ادعاه قبل سيّد المدارك 8 ، ومن العجيب ما في الرياض حيث حكى معقد إجماعي الفاضلين على الوصفين المذكورين « 9 » ، وهما ليسا كذلك كما لا يخفى على من لاحظهما . وكذا التأمّل في دعوى توقّف مسمّى الدفن عليه شرعاً ؛ لعدم ثبوت حقيقة شرعية فيه ، بل ولا مجاز شرعي ، وأضعف منه دعوى العرفي ، ومنه يظهر لك أنّه لا وجه للتمسّك بتوقّف البراءة اليقينية عليه ، فيبقى أصالة البراءة حينئذٍ سالماً عن المعارض . وأمّا دعوى توقّف فائدة الدفن عليه - فمع أنّه غير مطّرد فيما لو دفن في مكان يؤمن عليه من السباع وظهور الرائحة ؛ لعدم الناس مثلًا أو غير ذلك ، ولا تنحصر فوائده فيهما - لا محصّل لها بحيث ترجع إلى أحد الأدلّة المعتبرة ؛ فلذا كان الاجتزاء بمسمّى الدفن مع الأمن من ذينك الأمرين من غير الحفيرة لا يخلو من قوّة .
هامش
( 1 ) في الشرائع : « أن يواري » . ( 2 ) المعتبر 1 : 291 . التذكرة 2 : 88 . ( 3 ) المرسلات : 25 ، 26 . ( 4 ) طه : 55 . ( 5 ) 5 ، 8 المدارك 2 : 133 . ( 6 ) الوسائل 3 : 141 ، ب 1 من الدفن ، ح 1 . ( 7 ) الذكرى 2 : 7 . ( 9 ) الرياض 2 : 208 .