. . . . . . . . . .
شرح
بل لعلّ الظاهر منه القول بالحرمة فيه ، قال : « والمكروهات الأكل والشرب » إلى أن قال : « والمسجد الحرام ومسجد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا يدخلهما على حال ، فإن كان في واحد منهما فأصابه احتلام خرج منهما بعد أن تيمّم من موضعه ، ويكره مسّ المصحف » « 1 » . فإنّ مقتضى عدم عطفه له على المكروهات بل ذكر النهي عنه بالخصوص الحرمة ، كما هو واضح .
وكيف كان ، فيدلّ عليه - مضافاً إلى ذلك [ الإجماع المنقول ] - : المعتبرة المستفيضة المشتملة على الرخصة في الاجتياز فيما عدا المسجدين « 2 » ، المعتضدة بإطلاق النهي عن المرور في غيرها . وبذلك كلّه يقيّد إطلاق الآية وغيرها الدالّة على جواز الاجتياز في سائر المساجد .
ثمّ إنّ ظاهر بعض الأدلّة المتقدّمة وغيرها - كقول الباقر عليه السلام في خبر أبي حمزة الثمالي في حديث : « إنّ اللَّه أوحى إلى نبيّه أن طهّر مسجدك - إلى أن قال : - ولا يمرّ فيه جنب » « 3 » . وقول الصادق عليه السلام في الحسن : « للجنب أن يمشي في المساجد كلّها ولا يجلس فيها ، إلّا المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم » « 4 » - عدم جواز مطلق الدخول للمسجدين سواء كان للاجتياز أو لأخذ المتاع ، ومن هنا قال في الغنية : إنّه « ليس له دخولهما على حال » إلى أن قال : « كلّ ذلك بدليل الإجماع » 5 .
فما يقال : إنّ إطلاق الأصحاب بجواز الأخذ من المساجد شامل للمسجدين ، وتنصيصهم على حرمة الاجتياز [ في المسجدين ] لا يقضي بحرمته ، ضعيف ؛ لظهور أنّ تنصيص الأصحاب على ذلك إنّما هو لمكان كون الاجتياز ممّا لا إشكال في حلّيته بالنسبة إلى سائر المساجد ، والأخذ وإن كان كذلك لكنّه ليس بتلك المكانة من الوضوح ، فأرادوا التنصيص على حرمة واضح الحلّية [ وهو الاجتياز ] بالنسبة إلى غيرهما [ غير المسجدين ] ليستفاد غيره [ غير الاجتياز ] بالأولى ، سيّما بعد اشتمال الروايات عليه . وأيضاً قد عرفت أنّ ابن زهرة قال : « لا يجوز دخولهما على حال » كابن إدريس في السرائر وكذا ابن فهد في موجزه « 6 » ، وأصرح منه عبارة ابن البرّاج في المهذّب ؛ فإنّها كالصريحة في عدم جواز الدخول للأخذ ، ونحوها عبارة المصنّف في المعتبر « 7 » . وما عساه يقال : إنّ ما دلّ على جواز الأخذ شامل بإطلاقه المسجدين ، كما أنّ النهي عن المرور في المسجدين والمشي ونحوهما أيضاً شامل للدخول للأخذ وغيره ، فيكون التعارض بينهما تعارض العموم من وجه ، مع ترجيح الأوّل بأصالة براءة الذمّة ونحوها . مدفوع : بأنّه لو سلّم ذلك لكان الترجيح للثانية ؛ لصراحتها وكثرتها ، مع اعتضادها بإجماع الغنية ومناسبة التعظيم ، بل قد يشعر حرمة الاجتياز فيهما بحرمة غيره بطريق أولى ، على أنّه ما دلّ على الأخذ إنّما سيق لبيان مطلق جواز الأخذ ، لا أنّه مساق لبيان جواز الأخذ من سائر المساجد ، كما لا يخفى على من لاحظها .
هامش
( 1 ) 1 ، 5 المبسوط 1 : 29 . الغنية : 37 .
( 2 ) انظر الوسائل 2 : 205 ، ب 15 من الجنابة .
( 3 ) المصدر السابق : ح 1 .
( 4 ) المصدر السابق : 206 ، ح 4 .
( 6 ) السرائر 1 : 117 . الموجز الحاوي ( الرسائل العشر ) : 43 .
( 7 ) المهذّب 1 : 34 . المعتبر 1 : 188 .