فالأولى إرادة كونه المستحبّ في المستحبّ ( 1 ) .
وكيف كان ( فإن لم يوجد ) النخل فلا يسقط أصل الاستحباب ، بل يعوّض من غيره ( 2 ) .
كما أنّه لا ينبغي الإشكال في تقديم الجريدة مع وجودها على غيرها من الأشجار ( 3 ) .
شرح
( 1 ) ولعلّه على ذلك تجتمع كلمات الأصحاب ، سوى ما ينقل عن العمّاني من التقدير بأربع أصابع « 1 » ، وهو - مع أنّه لا دليل عليه عدا ما يقال : من إمكان فهمه من قول الباقر عليه السلام في خبر يحيى بن عبادة : « توضع من أصل اليدين إلى الترقوة » « 2 » - محتمل لإرادته كونه ممّا يجتزى به من حيث تحقّق المطلق فيه ، ونصّ عليه لخفائه في الجملة .
ولعلّ ما ذكرناه ممّا سمعته أولى من تنزيل ذلك على تفاوت مراتب الاستحباب ، فالأوّل عظم الذراع ، ثمّ الشبر ، ثمّ الأربع أصابع .
ومن العجيب ما في الروضة من نسبة ذلك إلى الشهرة حيث قال : « والمشهور أنّ قدر كلّ واحدةٍ طول عظم ذراع الميّت ، ثمّ قدر شبر ، ثمّ أربع أصابع » « 3 » انتهى . والتتبّع أعدل شاهد ، مع أنّا لم نعرف غيره ذكر التقييد بالميّت .
ثمّ إنّه قد يشعر ترك المصنّف - كغيره من الأصحاب - استحباب الشقّ بعدمه كما نصّ عليه بعض المتأخّرين « 4 » ، بل لعلّه ينافي ما ذكر من استبقاء الرطوبة . لكنّ الموجود في الخبر المرويّ في المقنعة وغيرها عن آدم عليه السلام أنّه قال :
« فإذا متّ فخذوا جريداً وشقّوه نصفين وضعوهما معي . . . إلى آخره » « 5 » . وفي المرسل : « مرّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم على قبر يعذَّب صاحبه فدعا بجريدة فشقّها نصفين ، فجعل واحدة عند رأسه والأخرى عند رجليه » « 6 » الحديث .
( 2 ) بلا خلاف أجده في ذلك ، بل ظاهر الأصحاب الاتفاق عليه ، فما عساه يظهر من المصنّف رحمه الله في النافع والمعتبر « 7 » من التوقّف فيه استضعافاً لما تسمعه من الأخبار في غير محلّه ، بل يحتمل كلامه وجهاً آخر ، وهو التخيير بين الأشجار حينئذٍ ، فلاحظ وتأمّل .
( 3 ) بلا خلاف أجده فيه سوى ما يظهر من الشيخ في الخلاف من التخيير بينه وبين غيره حيث قال : « يستحبّ أن يوضع مع الميّت جريدتان خضراوان من النخل أو غيرها من الأشجار » ثمّ قال : « دليلنا إجماع الفرقة » « 8 » .
قلت : ولعلّ دعواه الإجماع يرشد إلى إرادته ثبوت أصل الاستحباب في مقابلة العامّة ، وإلّا كان التتبع لكلمات الأصحاب يشهد بخلافه ؛ إذ لم أعرف له موافقاً بالنسبة إلى ذلك وإن حكاه في المختلف عن السرائر « 9 » ، لكنّ الموجود فيما حضرني من نسختها ظاهر في خلاف ذلك « 10 » . وكيف كان فلا ريب في ضعفه لمخالفته النصوص والفتاوى من غير دليل .
هامش
( 1 ) نقله في المختلف 1 : 394 .
( 2 ) الفقيه 1 : 145 ، ح 405 . الوسائل 3 : 26 ، ب 10 من التكفين ، ح 1 ، وفيه : « توضع من أصل الثديين » .
( 3 ) الروضة 1 : 134 .
( 4 ) الحدائق 4 : 47 .
( 5 ) المقنعة : 83 . الوسائل 3 : 23 ، ب 7 من التكفين ، ح 10 .
( 6 ) الوسائل 3 : 28 ، ب 11 من التكفين ، ح 4 .
( 7 ) المختصر النافع : 37 . المعتبر 1 : 288 - 289 .
( 8 ) الخلاف 1 : 704 .
( 9 ) المختلف 1 : 397 .
( 10 ) السرائر 1 : 164 .