. . . . . . . . . .
شرح
اللّهم إلّا أن يقال - بعد ثبوت الجواز من الأصل السالم عن المعارض ؛ للقطع بعدم الإهانة بمثل ذلك ، بل هو تعظيم عند التأمّل ، واحتمال ترتّب النفع المقصود بالتكرير عليه سيّما بعد ذكر بعض الأصحاب استحبابه وثبوته فيما عرفت من القطع الثابتة - :
لا بأس بفعله ، ولا مانع منه . وما عساه يقال : إنّه لم يعلم ترتّب النفع على الفعل الذي لم يحرز المكلّف النفع عليه وإن كان في الواقع هو كذلك ؛ لعدم تأثير المصادفة الاتفاقية ، مدفوع في أمثال المقام ممّا كان ترتّب النفع عليه إنّما هو من الخواص التي لا مدخليّة للقصد والنيّة فيها .
وكذا ما يقال من احتمال تلوّث ما يجب احترامه من المكتوب بالنجاسة ونحوها ؛ إذ هو - مع أنّه ينفى بأصالة عدمه - يمكن القول به حتى مع العلم بالتلوّث ؛ لانتفاء تحقّق الإهانة المنافية للتعظيم التي هي منشأ الحرمة في أمثال ذلك ، مع قصد التبرّك واستدفاع العذاب وجلب الرحمة والرضوان .
واحتمال القول : إنّ المدار في الإهانة وهتك الحرمة ونحوهما على الفعل الظاهر فيها عرفاً في حدّ ذاته ، ولا مدخلية لقصد التبرّك ونحوه في رفع ذلك ؛ إذ لا ريب في تحقّقها بوضع شيء من المحترمات في الدبر ونحوه وإن قصد الاستشفاء والتبرّك . أو القول بأنّ تجنيب هذه المحترمات النجاسة ونحوها غير منحصر في هتك الحرمة ومنافاة التعظيم ، وإن كان ربّما كان ذلك حكمةً ، بل لها أدلّة اخر شاملة بظاهرها لما قصد به التبرّك وعدمه ، فيكون التعارض حينئذٍ بينها وبين ما دلّ على التبرّك ونحوه بها تعارض العموم من وجه . ضعيف ، بل ممنوع .
أمّا أوّلًا : فلتبعيّة الأفعال للقصود قطعاً كما هو المشاهد في العرف .
وأمّا ثانياً : فللحكم بالخصوص فيما نحن فيه من أهل العرف أنّه لا شيء فيه من التحقير والإهانة ، بل هو تعظيم وزيادة احترام .
ولعلّ ما ذكر من المثال إنّما هو لعدم التبرك بها على النحو المتعارف فيه من الأكل ونحوه ؛ لكون الانتفاع بها إنّما هو بالخاصية ، فلا حاجة إلى وضعها حينئذٍ في هذه الأماكن الرديّة ، أو لأنّ قبح هذه الصورة بخصوصها لا يضمحلّ بقصد التبرّك والاستشفاء ونحوهما .
وأمّا ثالثاً : فقد تقدّم في محلّه أنّه لا دليل يعتمد عليه في وجوب تجنيب هذه الأمور المحترمة النجاسات ونحوها غير التعظيم والاحترام وحرمة التحقير والإهانة .
على أنّه - بعد التسليم - يمكن القول بترجيح ما نحن فيه بوجوه غير خفيّة ، فتأمّل جيّداً ، فإنّ المسألة غير خاصّة بنحو المقام ، بل هي فيه وفيما سيأتي من المكتوب وما يكتب به وغيرهما .
فظهر من ذلك كلّه أنّه لا مانع من فعله حينئذٍ ، بل ربّما قيل : إنّه راجح ومستحبّ عارضاً ؛ للقطع العقلي برجحانية ما يفعله العبد ؛ لاحتمال حصول رضا سيّده وطلبه لذلك ، وعليه بني التسامح في أدلّة السنن ، ولنا فيه بحث مذكور في محلّه . نعم قد يقال بالاستحباب إن قلنا بأنّ فتوى الفقيه نوع من البلوغ حتى يشمله عموم « من بلغه » ، أو لعمومات التبرّك واستدفاع البلاء بها إن كانت موجودة ، وإلّا كان للتأمّل في استحبابه مجال ، بل وفي جواز ما يقطع بتلوّثه ممّا يجب احترامه منه بما ينافيه .