. . . . . . . . . .
شرح
لا ينبغي الشكّ في بُعد ما ذكر من إرادة المسحوق من كلّ طيب ؛ لمعروفية العَلَمِيّة منها . نعم قد يقال : إنّها عبارة عمّا حكاه الصغاني من أنّه « باليمن يجعلون أخلاطاً من الطيب ، يسمّونها الذريرة » « 1 » . وما حكاه في الذكرى من « أنّها الورد والسنبل والقرنفل والقسط والأشنة ، وكلّها نبات ، ويجعل فيها اللاذن ، ويدقّ جميع ذلك » « 2 » ؛ لاجتماع الوصفية والعلمية حينئذٍ ، وربّما يرجع إليه سابقه . كما أنّه في عرفنا الآن كذلك نوع خاصّ من الطيب مسحوق يسمّى ذريرة . ولعلّه هو الذي أراده في المدارك بأنّه « طيب مخصوص معروف بهذا الاسم الآن في بغداد وما والاها » « 3 » . لكن نصّ في المقنعة والمبسوط وعن النهاية والمصباح ومختصره والإصباح أنّها القمحة « 4 » . وعن التذكرة « 5 » أنّه قال : « بضم القاف وتشديد الميم المفتوحة والحاء المهملة ، أو بفتح القاف والتخفيف كواحدة القمح ، وسمّاها به أيضاً الجعفي » « 6 » . قلت : وعن القاضي « 7 » ، وكأنّها حينئذٍ ما حكي عن الراوندي : أنّه « قيل :
إنّها حبوب تشبه حبّ الحنطة التي تسمّى بالقمح ، تدقّ تلك الحبوب كالدقيق ، لها ريح طيبة » « 8 » . لكن حكى في الروض : أنّه « وجد بخطّ الشهيد رحمه الله نقلًا عن بعض الفضلاء : أنّ قصب الذريرة هي القمحة التي يؤتى بها من ناحية نهاوند ، وأصلها قصب نابت في أجمة بعض الرساتيق يحيط بها حيّات ، والطريق إليها على عدّة عقبات ، فإذا طال ذلك تُرك حتى يجفّ ثمّ يقطع عقداً وكعاباً ، ثمّ يعبّى في الجوالقات ، فإذا اخذ على عقبة من تلك العقبات المعروفة عفن وصار ذريرة ، ويسمّى قمحة ، وإن سلك به على غير تلك العقبات بقي قصباً لا يصلح إلّا للوقود » « 9 » انتهى . قلت : لعلّ المراد بالقمحة حينئذٍ في كلام أولئك ذلك ، كما أنّه ربّما يرجع إليه أيضاً ما عن الشيخ في التبيان : أنّ « الذريرة فتات قصب الطيب ، وهو قصب يؤتى به من الهند يشابه قصب النشاب » 10 ، بل وكذا ما في السرائر : أنّ « الذي أراه أنّها نبات طيب غير الطيب المعهود ، يقال لها : القمحان ، نبات يجعلونه على رأس دن الخمر ليكسبها الريح الطيبة » « 11 » انتهى . لكنّه بعيد ؛ لأنّ المحكيّ عن العين : أنّ « القمحان يقال : ورس ، ويقال : زعفران » 12 . وعن تهذيب الأزهري عن أبي عبيد : « زبد الخمر ، ويقال : طيب » « 13 » . وعن المحيط : « الزعفران والورس ، وقيل : ذريرة تعلو الخمر » « 14 » .
وعن المقاييس : « الورس أو الزعفران أو الذريرة ، كلّ ذلك يقال » « 15 » . وعن المجمل : « الورس ، ويقال للزعفران والذريرة » « 16 » . اللّهم إلّا أن يدعى أنّ ما ذكرناه أقرب . وكيف كان ، فلعلّ الاجتزاء بما سمعت من المعروف عندنا الآن [ وهو النوع الخاصّ من الطيب مسحوق يسمّى ذريرة ] لا يخلو من قوّة ، كما أنّ القول بأنّها صنف شامل لجميع ذلك من فتات قصب الطيب ومن القمحة ومن الأجزاء اليمانية وغير ذلك ممّا تقدّم ، فليست هي كلّ طيب مسحوق ولا شخص خاصّ ، لا يخلو أيضاً من قوّة . وبه يجمع بين تلك الكلمات المتفرّقة ؛ لكون المثبت مقدّماً على النافي ، فلا يسمع من أحد منهم الحصر ، فتأمّل جيّداً .
هامش
( 1 ) نقله في الذكرى 1 : 359 .
( 2 ) الذكرى 1 : 360 .
( 3 ) المدارك 2 : 106 .
( 4 ) المقنعة : 75 . المبسوط 1 : 177 . النهاية : 32 . مصباح المتهجد : 19 . مختصر المصباح : 19 . إصباح الشيعة : 45 .
( 5 ) كذا في النسخ والصحيح الذكرى .
( 6 ) الذكرى 1 : 359 .
( 7 ) المهذّب 1 : 60 .
( 8 ) نقله في الذكرى 1 : 360 .
( 9 ) 9 ، 10 الروض 1 : 288 . التبيان 1 : 448 .
( 11 ) 11 ، 12 السرائر 1 : 161 . العين 3 : 55 .
( 13 ) تهذيب اللغة 4 : 80 .
( 14 ) المحيط في اللغة 2 : 366 .
( 15 ) معجم مقاييس اللغة 5 : 25 .
( 16 ) المجمل في اللغة : 577 - 578 .