وإذ قد عرفت أنّ المحلّل الاجتياز خاصّة ، فلا ريب في الرجوع إلى تحقيق معناه إلى العرف ، كما هو الشأن في غيره من الألفاظ .
قيل « 1 » : وهل يدخل فيه التردّد في جوانبها والمشي من غير مكث ولا جلوس ؟ ( 1 )
قلت : لا ينبغي الإشكال في عدم صدق اسم الاجتياز عليه ( 2 ) .
شرح
والحاصل : أن الظاهر من ملاحظة الأدلّة حرمة الدخول مطلقاً إلّا للاجتياز وغيره ممّا دلّ عليه الدليل ، فيحرم حينئذٍ الدخول لا بعنوان الاجتياز ولا المكث .
واحتمال القول : إنّ المحرّم إنّما هو المكث واللّبث ، فيحلّ غيره قد عرفت فساده ، وأنّ الظاهر من الأدلّة أنّ المحلّل الاجتياز خاصّة والأخذ منها كما ستعرف .
وكيف كان ، فما في المراسم من أنّه يندب للجنب أن لا يقرب المساجد إلّا عابري سبيل « 2 » ضعيف جدّاً ، مخالف للكتاب والسنّة والإجماع المنقول ، بل قد يدّعى تحصيله ؛ لعدم قدح خلافه في ذلك .
ولعلّ مستنده خبر محمّد بن القاسم ، قال : سألت أبا الحسن عليه السلام : عن الجنب ينام في المسجد ، فقال : « يتوضّأ ، ولا بأس أن ينام في المسجد ويمرّ فيه » « 3 » . وهو - مع موافقته للتقيّة ، ومخالفته للكتاب - قاصر عن مقاومة غيره من الأدلّة من وجوه عديدة ، على أنّه لا دلالة فيه .
نعم ، قد يظهر من الصدوق العمل به ، قال - بعد أن ذكر أنّ الجنب والحائض لا يجوز أن يدخلا المسجد إلّا مجتازين - : « ولا بأس أن يختضب الجنب ويجنب وهو مختضب » إلى أن قال : « وينام في المسجد ويمرّ فيه ، ويجنب أوّل الليلة وينام . . . إلى آخره » « 4 » انتهى .
وهو - مع عدم انطباقه على تمام مدلول الرواية ؛ لعدم ذكر الوضوء - ضعيف كسابقه ؛ لما سمعت ، مع احتمال تأويل عبارته بما يرجع إلى الأصحاب وإن بَعُد .
( 1 ) ربّما ظهر من بعضهم ذلك .
( 2 ) ولعلّ القائل بجوازه منشؤُه أنّ المحرّم اللبث والمكث ، لا غير الاجتياز ، وهذا ليس لبثاً .
وفيه : ما عرفت سابقاً من ظهور الأدلّة في حرمة ما عدا الاجتياز ، على أنّا نمنع عدم صدق اسم اللبث والمكث عليه ؛ إذ لا يراد منه السكون وعدم الحركة كما هو واضح .
وما يقال : من التمسّك على جوازه بخبر جميل عن الصادق عليه السلام قال : « للجنب أن يمشي في المساجد كلّها ، ولا يجلس فيها إلّا المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم » « 5 » ضعيف ؛ لما فيه من الطعن في السند أوّلًا ، وعدم صلاحيّته لمعارضة ما سمعت من الأدلّة ثانياً ، فلا بأس بحمل المشي فيها على المشي الاجتيازي ، على أنّه من قبيل المطلق .
هامش
( 1 ) الحدائق 3 : 53 .
( 2 ) المراسم : 42 .
( 3 ) الوسائل 2 : 210 ، ب 15 من الجنابة ، ح 18 ، 19 .
( 4 ) الفقيه 1 : 87 ، ذيل الحديث 191 .
( 5 ) الوسائل 2 : 206 ، ب 15 من الجنابة ، ح 4 .