وأمّا غيره ( 1 ) [ فقد يقال بأنّه يقدّم الجلد ثمّ الحرير ثمّ وبر غير المأكول ] .
نعم ، قد يستشكل في وجوب ذلك الترتيب المتقدّم ، وإن كان ربّما يقوى في النفس التخيير بين المتنجّس وبين جلد ما يؤكل لحمه ، وتقديمهما معاً على الحرير وجلد ما لا يؤكل لحمه وشعره ووبره ، والتخيير بينهما ، مع احتمال تقديم الحرير فيهما خاصة ، كاحتمال تقديم المتنجّس في الأوّلين ، سيّما مع قلّة النجاسة وعدم تلويثها .
وينبغي القطع بوجوب ستر العورة في سائر ما ذكر وإن قلنا بالمنع من التكفين بها ، بناءً على وجوب سترها لو تمكّن منه خاصة بالاختياري كما تقدّم ( 2 ) .
شرح
( 1 ) فقد قال في الذكرى : « إنّ فيه وجوهاً ثلاثة : المنع لإطلاقه ، والجواز لئلّا يدفن عارياً مع وجوب ستره ولو بالحجر ، ووجوب ستر العورة حالة الصلاة ثمّ ينزع بعد ، وحينئذٍ فالجلد مقدّم ؛ لعدم صريح النهي فيه ، ثمّ النجس لعروض المانع ، ثمّ الحرير لجواز صلاة النساء فيه ، ثمّ وبر غير المأكول . وفي هذا الترتيب للنظر مجال ؛ إذ يمكن أولوية الحرير على النجس ؛ لجواز صلاتهنّ فيه اختياراً » « 1 » انتهى .
وفرّق في البيان بين الجلد الذي تجوز فيه الصلاة وبين غيره من الحرير والجلود التي لا تصح فيها الصلاة والأشعار والأوبار والنجس ، فأجاز الأوّل مع التعذّر ونظر في غيره « 2 » . واستظهر في جامع المقاصد الفرق بين النجس وغيره ، فأجاز الأوّل لعدم وجوب نزعه عن الميّت لو استوعبت النجاسة وتعذّر غسلها وقرضه ، ولأنّه آئل إلى النجاسة عن قريب فأمره أخف . ومنع في الثاني تمسكاً بإطلاق ما دلّ على المنع منهما من مفهوم الموافقة الحاصل من الأمر بالنزع عن الشهيد في الجلود ، وممّا عرفته سابقاً في الحرير ، قال : « وجواز صلاة النساء فيه لا يقتضي جواز التكفين به ؛ لعدم الملازمة ، على أنّه لو تم لزم اختصاص الحكم بالنساء ، ووبر غير المأكول أبعد من الجميع » إلى أن قال : « ولو اضطر إلى ستر عورته حال الصلاة ولم يوجد غير الممنوع منه أمكن الستر بأحد الأشياء الممنوعة من غير ترتّب ؛ لعدم الدليل عليه ، مع احتمال وضعه في القبر على وجه لا ترى عورته ثمّ يصلّى عليه » « 3 » انتهى . وفرّق في الرياض بين ما منع منه للنهي كالحرير ، وبين غيره ممّا منع منه لعدم الدليل ، فاستوجه المنع في الأوّل لإطلاق النهي ، وفي الثاني الجواز للأصل ، وانتفاء المانع ؛ لاختصاصه بصورة وجود غيره ممّا يجوز التكفين به . ثمّ قال : « وأمّا الوجوب فمشكل ؛ لعدم الدليل ، لعدم الإجماع فيه ، واختصاص الأمر بالتكفين في الأخبار - بحكم التبادر - بغيره » « 4 » انتهى .
قلت : ولعلّ هذا بناء منه على إجمال التكفين وأنّ له مسمّى شرعيّاً ، ليتوجّه جريان أصالة البراءة حينئذٍ مع الشكّ في اندراجه تحت الكفن ، ولا وجوب للاحتياط هنا ؛ لفرض وقوع الشكّ في الشغل لا في المشغول به ، وإلّا فبناءً على ما ذكرنا من التحقيق من بقائه على المعنى اللغوي وأنّ ما اعتبر فيه من قبيل الشرائط ، فمع فرض ظهور ما دلّ على اشتراطها بصورة الاختيار لا مناص حينئذٍ عن الوجوب ؛ للأمر به . ودعوى انصرافه إلى غير ذلك فيتمسك بأصالة البراءة حينئذٍ كالأوّل ، ممنوعة .
( 2 ) إذ ليس ذا من التكفين بشيء حتى يمنع منه ، ولا يدخل تحت النهي عن لبس الحرير .
هامش
( 1 ) الذكرى 1 : 355 .
( 2 ) البيان : 72 .
( 3 ) جامع المقاصد 1 : 380 .
( 4 ) الرياض 2 : 177 - 178 .