[ ويمكن الاحتياط ] بتجديد النيّة من دون تعرّض للجزئية وعدمها ، فتأمّل جيّداً . كما أنّك تعرف أيضاً عدم منافاة ما اخترناه [ وهو كونه عملًا واحداً ] لتوزيع العمل على المكلّفين ، بل إجزاء [ توزيع ] الغسلة الواحدة وإن أوجبنا تجديد النيّة على كلّ واحد منهم ، لكنها من حيث الجزئية أو من دون تعرّض .
ثمّ من المعلوم أنّ النية إنّما تعتبر من الغاسل حقيقة ، سواء كان متحداً أو متعدداً ( 1 ) ، فلا عبرة بنيّة غيره ( 2 ) . نعم ، لو فرض إمكان تعدّد الغاسل بحيث يصدق على كلّ واحد منهم أنّه غاسل حقيقة لم يبعد الاجتزاء بنيّة أحدهم . ولا يقدح حينئذٍ كون أحدهم ليس من ذوي النيّات المعتبرة كالمجنون ، وإن قدح ذلك فيما لو اشترك الغسل بحيث يسند إلى المجموع لا إلى كلّ واحد ، فتأمّل . ولو ترتّب الغاسلون في فعل غسلة واحدة - كما لو غسّل كلّ واحد جزءاً ، أو في الغسلات المتعددة ، كما لو غسله شخص بالسدر وآخر بالكافور - اعتبرت النيّة من كلّ منهما لكن من حيث الجزئيّة أو مع عدم التعرّض على حسب ما تقدّم ، ولا يجوز الاكتفاء بنيّة الأوّل ( 3 ) .
ومع ذلك فالاحتياط [ في كون الغاسل متحداً ] لا ينبغي أن يترك ، فتأمّل ( 4 ) .
[ ويجب ثلاثة أغسال أوّلها بالسدر ثمّ بالكافور ثمّ بالماء القراح ] ( 5 ) .
شرح
( 1 ) لكونه الفاعل للتغسيل المأمور به .
( 2 ) فما في الذكرى من الاجتزاء بنيّة المقلّب ؛ لكون الصابّ كالآلة حينئذٍ « 1 » ، ضعيف إن أراد صحّة النيّة منه وإن لم يصدق عليه اسم الغاسل ، وكذا إن ادّعى أنّه الغاسل حقيقةً ؛ لظهور أنّ الغسل إنّما هو إجراء الماء ولا مدخليّة للمقلّب فيه .
( 3 ) لامتناع ابتناء فعل كلّ مكلّف على نيّة مكلّف آخر .
واحتمال الإشكال في أصل هذا الحكم سيّما إجزاء الغسل الواحد من حيث ظهور الأدلّة في اتحاد المباشر ، وأنّه لا وجه للاشتراك في العمل الواحد ، سيّما مع القصد إلى ذلك من أوّل الأمر ، ضعيف ؛ لإطلاق الأدلّة وظهورها في إرادة بروز غسل بدن الميّت من سائر المكلّفين من غير اشتراط بشيء آخر . وما عساه يتراءى من الاتحاد المفهوم من الأخبار لا ظهور فيه بكونه شرطاً ، بل هو من قبيل مورد الخطابات كما هو واضح .
( 4 ) وتقدّم لنا سابقاً في الأبواب المتقدّمة ما له نفع تام في المقام .
( 5 ) ثمّ إنّ ما ذكره المصنّف هنا مع ما بعده من وجوب ثلاثة أغسال ممّا لم أجد فيه خلافاً بين الأصحاب عدا سلّار « 2 » ، كما اعترف به جماعة منهم المصنّف في المعتبر « 3 » ، بل في الخلاف والغنية الإجماع على خلافه ، حيث قال : في الأوّل :
« يغسّل الميّت ثلاث غسلات : الأولى بماء السدر ، والثانية بماء جلال الكافور ، والثالثة بماء القراح وبه قال الشافعي ، وقال أبو إسحاق : الأولى يعتد بها والأخيرتان سنّة ، وقال باقي أصحابه : الأخيرة هي المعتد بها لأنّها بالماء القراح ، والأولى والثانية بالماء المضاف فلا يعتدّ بهما ، وقال أبو حنيفة : ماء الكافور لا أعرفه ، دليلنا إجماع الفرقة » « 4 » انتهى .
هامش
( 1 ) الذكرى 1 : 343 .
( 2 ) المراسم : 47 .
( 3 ) المعتبر 1 : 265 .
( 4 ) الخلاف 1 : 694 .