. . . . . . . . . .
شرح
وما يقال : إنّ الجنابة والحيض والنفاس ونحوها لا توجب غسلًا بعد الموت حتى تدخل في غسل الميّت ، حتى لو قلنا بوجوبها لنفسها ؛ لسقوط سائر التكاليف بالموت ، فلا بدّ من صرف ما ينافي ذلك من الأخبار السابقة عن ظاهره ، فلا يصحّ الاستدلال بها على المطلوب . قد يدفع : بأنّ سقوط التكليف بالغسل لمكان الموت لا ينافي بقاء أثر حدث الجنابة - مثلًا - ووصفه بحيث لا يرتفع إلّا بالغسل ، كما هو ظاهر الصحيح المتقدّم المشتمل على التعليل بأنّهما حرمتان قد اجتمعتا في حرمة واحدة ، ومثله في ذلك الحسن كالصحيح عن الباقر عليه السلام « 1 » أيضاً . وربّما يشعر به خبر تغسيل الملائكة عمر بن حنظلة لمكان جنابته « 2 » . كما أنّه يقتضيه جميع ما دلّ على تحقّق وصف الجنابة والحيض ونحوهما بمجرّد حصول أسبابها . نعم ، لا دليل على وجوب الغسل على الغير لرفعها إن لم تدخل تحت غسل الميّت ، مع إمكان التأمّل فيه أيضاً ؛ من حيث ما ورد من تعليل غسل الميّت بأنّه لأجل أن يلقى اللَّه تعالى وملائكته طاهراً . فإذا كان الأمر كما ذكرنا من أنّ غسل الميّت يرفع آثار تلك الأحداث صحّ أن يقال ذلك أيضاً في المقام حينئذٍ ؛ لأنّه بمنزلته ، بل هو أولى .
هذا ، مع إمكان تأييده في خصوص ما نحن فيه من المرجوم والمرجومة بشمول ما دلّ على التداخل هناك من قوله عليه السلام : « إذا كان عليك للَّه حقوق أجزأك عنها غسل واحد » « 3 » لمثله . وما يقال : من أنّ التداخل لا يتصوّر في المقام من حيث اختلاف كيفيّة غسل الميّت مع غسل الجنابة . قد يدفع : بأنّه لا مانع من أن يدخل تمام رافع الجنابة - مثلًا - في بعض غسل الميّت لو سلّمنا أنّ غسل الميّت مركّب من الأغسال الثلاثة بحيث يكون كلّ واحد جزءاً . وكذا ما يقال : إنّ غسل الميّت ليس من الأغسال الرافعة لحدث أو مبيحة لصلاة ، فلا يتصوّر دخول ما كان كذلك فيه . لأنّا نقول : لا دليل على اشتراط التداخل بذلك ، بل قد يظهر منه خلافه . نعم قد يستشكل في شمول خبر الحقوق لمثل هذا الفرد ، سيّما مع عدم العموم اللغوي فيها . كما أنّه قد يستشكل في صحته لو قدّم على غسل الميّت من حيث نجاسة بدن الميت . ويستشكل أيضاً في كون هذا التداخل بالنسبة إلى غسل الميّت قهريّاً أو لا ، بل يتبع نيّة المكلّف كما هو المختار فيما تقدّم من تداخل الأغسال من ظاهر الأخبار ، ومن أصالة عدم التداخل فيقتصر على المتيقّن . وقد يؤيّد الثاني أنّه وجه الجمع بين ما دلّ من الأخبار « 4 » على الاجتزاء بغسل واحد للجنب والحائض ونحوهما ، وبين ما دلّ على التعدّد ، كخبر العيص قال : قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام الرجل يموت وهو جنب ، قال : « يغسّل من الجنابة ثمّ يغسّل بعدُ غسل الميّت » « 5 » ، ونحوه في الدلالة على ذلك خبراه الآخران 6 . وقال الشيخ - بعد ذكر هذه الأخبار - : هذه الروايات الثلاثة لا تنافي ما قدمنا من الأخبار ؛ لأنّ أوّل ما فيها أنّ الأصل فيها واحد ، وهو عيص بن القاسم ، ولا يجوز أن يعارض بواحد جماعة كثيرة ، ولو صحّ لاحتمل أن تكون محمولة على ضرب من الاستحباب دون الفرض والإيجاب « 7 » ، ثمّ ذكر غير ذلك ، فتأمّل .
هامش
( 1 ) الوسائل 2 : 539 ، ب 31 من غسل الميّت ، ذيل الحديث 1 .
( 2 ) تقدّم في ص 401 .
( 3 ) الوسائل 2 : 262 ، ب 43 من غسل الجنابة ، ح 1 ، مع اختلاف يسير .
( 4 ) انظر الوسائل 2 : 261 ، ب 43 من غسل الجنابة .
( 5 ) 5 ، 6 الوسائل 2 : 541 ، ب 31 من غسل الميّت ، ح 7 ، 6 ، 8 .
( 7 ) التهذيب 1 : 433 ، ذيل الحديث 1388 .