ولعلّه الأقوى ( 1 ) .
شرح
( 1 ) للحسن كالصحيح عن أبان بن تغلب ، قال : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول : « الذي يقتل في سبيل اللَّه يدفن في ثيابه ولا يغسّل ، إلّا أن يدركه المسلمون وبه رمق ثمّ يموت بعد ؛ فإنّه يغسّل ويكفّن ويحنّط ، إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم كفّن حمزة في ثيابه ولم يغسّله ولكنّه صلّى عليه » « 1 » . ونحوه في ذلك خبره الآخر ، قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن الذي يقتل في سبيل اللَّه أيغسّل ويكفّن ويحنّط ؟
قال : « يدفن كما هو في ثيابه ، إلّا أن يكون به رمق . . . إلى آخره » « 2 » . ومضمر أبي خالد ، قال : « اغسل [ كلّ ] الموتى : الغريق وأكيل السبع وكلّ شيء ، إلّا ما قتل بين الصفّين ، فإن كان به رمق غسّل ، وإلّا فلا » « 3 » . ولا ينافي ذلك تعليق الحكم على الشهيد في غيرها من الأخبار « 4 » ، بدعوى اعتبار الإمام عليه السلام أو نائبه في مسمّاه ، لا أقل من الشكّ ، سيّما بعد الاعتضاد بفتوى من عرفت من الأصحاب ، فيبقى حينئذٍ عموم ما دلّ على تغسيل كلّ ميّت محكّماً ، مع إمكان دعوى انصراف تلك الأخبار إلى المقتول بين يدي الإمام عليه السلام أو نائبه ؛ لمنع اعتبار ذلك فيه شرعاً وغيره .
ولعلّ الخصم إنّما ينازع في الحكم مع تسليم دخوله في الشهيد حقيقة ، كما هو ظاهر عبارة المصنّف رحمه الله من كون الوصف مخصّصاً ، فحينئذٍ يكون ما علّق فيه الحكم على الشهيد شاهداً للمختار لا عليه . ومن هنا قد استدلّ في الذكرى « 5 » بعموم لفظ الشهيد . وما في كشف اللثام من أنّه قد يمنع « 6 » ممنوع . قال في القاموس : « الشهيد : القتيل في سبيل اللَّه تعالى ؛ لأنّ ملائكة الرحمن تشهده ، أو لأنّ اللَّه تعالى وملائكته شهود له بالجنة ، أو لأنّه ممّن يستشهد به يوم القيامة على الأمم الخالية ، أو لسقوطه على الشهادة - أي الأرض - أو لأنّه حيّ عند ربّه حاضر ، أو لأنّه يشهد ملكوت اللَّه وملكه » « 7 » انتهى . وفي المغرب : « قال النضر :
الشهيد الحيّ ، كأنّه تأوّل قوله تعالى :( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ )« 8 » كأنّ أرواحهم احتضرت دار السلام ، وأرواح غيرهم لا تشهدها إلى يوم القيامة ، وقال أبو بكر : سمّوا شهداء لأنّ اللَّه تعالى وملائكته شهود له بالجنة ، وقال غيره : سمّوا شهداء لأنّهم ممّن يستشهد به يوم القيامة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الأُمم الخالية » « 9 » انتهى . هذا ، مع أنّه لا ريب في ثبوت الاستعمال للفظ الشهيد فيما نحن فيه ، والأصل فيه هنا الحقيقة بدعوى الوضع للكلي الشامل له ، وللمقتول بين يدي الإمام عليه السلام ؛ إذ هو خير من المجاز ويؤيّد ذلك أيضاً الصدق العرفي حقيقة ، وهو كاشف عن غيره حتى لو كان المعنى شرعيّاً ، من غير فرق بين القول بوضعه له شرعاً أو لا ؛ إذ العرف المتشرّعي ضابط للمراد الشرعي ، مجازاً كان أو حقيقة ، فتأمّل جيّداً . نعم قد يشعر قوله عليه السلام في مضمر أبي خالد : « إلّا ما قتل بين الصفّين » باعتبار تقابل العسكرين في جريان خصوص هذا الحكم على الشهيد ، فلا يشمل من قتل من المسلمين بدون ذلك ، كالمقتول اتّفاقاً « 10 » ، أو كان عيناً من عيونهم أو نحو ذلك ، إلّا أنّ غيره من الأخبار ممّا اشتملت على التعبير بالقتل في سبيل اللَّه شاملة له ، ولعلّه الأقوى ؛ لإطلاق جميع الأصحاب بالنسبة إلى ذلك ، فيمكن حينئذٍ تنزيل قوله عليه السلام : « ما بين الصفّين » على ما لا ينافيه وإن كان هو أخص منه ، فتأمّل .
هامش
( 1 ) الوسائل 2 : 510 ، ب 14 من غسل الميّت ، ح 9 .
( 2 ) المصدر السابق : 509 ، ح 7 .
( 3 ) المصدر السابق : 507 ، ح 3 .
( 4 ) المصدر السابق : 506 ، ح 1 .
( 5 ) الذكرى 1 : 321 .
( 6 ) كشف اللثام 2 : 227 .
( 7 ) القاموس المحيط 1 : 305 .
( 8 ) آل عمران : 169 .
( 9 ) لم نعثر عليه .
( 10 ) في هامش المطبوعة : « أي مع عسكر المسلمين » ، ( منه رحمه الله ) .