أمّا إذا مات بعدها فهي أجنبيّة كالمطلّقة بائناً ، وهو واضح ( 1 ) .
شرح
( 1 ) وقال في الذكرى : « ولا عبرة بانقضاء عدّة المرأة عندنا ، بل لو نكحت جاز لها تغسيله وإن كان الفرض عندنا بعيداً » انتهى ، ونحوه في الروض والروضة وكذا جامع المقاصد « 1 » . بل يشعر قول : « عندنا » في الكتب الثلاثة بكونه مجمعاً عليه . والظاهر أنّ مرادهم بالعدّة عدّة الوفاة ، وبُعد الفرض حينئذٍ لاستبعاد بقاء الميّت بغير غسل حتى تنقضي وتتزوّج كما يشعر بذلك المنقول عن حاشية الروضة لصاحبها ، حيث قال : « إنّه يتحقّق هذا الفرض بدفن الميّت بغير غسل ، ثمّ تزوّجت زوجته بعد مضيّ عدّتها ، ثمّ اخرج الميّت من قبره لغرض كالشهادة على حقّه أو أخرجه السيل ولم يتغيّر ، فيجوز لها - أو يجب - حينئذٍ تغسيله » « 2 » انتهى . قلت : ولعلّه لا يحتاج إلى هذا التكلّف في نحو عصرنا ، وذلك لأنّه قد تعارف فيه بقاء الميّت مدة طويلة جداً بسبب إرادة دفنه في أحد المشاهد المشرّفة . وربّما استشكل في الحكم بعض متأخّري المتأخّرين « 3 » ؛ معلّلًا ذلك بصيرورتها أجنبية والحال هذه . وقد يؤيّده - مع احتمال الشكّ في شمول الإطلاقات [ الدالّة على تغسيل الزوجة ] لمثل ذلك من جهة ندرته - أنّه قد يشعر التعليل المتقدّم في صحيحة الحلبي وغيره بكونها في عدّة منه « أنّه لا يجوز لها التغسيل بعد انقضائها » سيّما إذا تزوّجت .
وفيه : منع صيرورتها أجنبية بذلك ، بل صدق اسم الزوجة عليها محقّق . ودعوى الندرة إن أريد بها ندرة الوقوع فهي مسلّمة ، لكنّها لا تجدي ، وإن أريد غيرها فممنوعة . ولا إشعار في التعليل بذلك ، كما يشير إليه تعليله في هذا الخبر تغسيل الزوج لها ؛ بأنّه قد انقضت عدتها منه ، والظاهر أنّ مراده من حيث التجريد للثياب وعدمه ، ففي تغسيل المرأة له لا يتأكّد كونه من وراء الثياب ؛ لأنّها في عدّة منه ، بخلاف العكس كما أشرنا إليه سابقاً ، هذا .
وربّما فرضت المسألة في صورة أقرب ممّا ذكرنا ، وهي فيما إذا كانت حاملًا ثمّ وضعت بعد موته ، فإنّ عدّتها تنقضي بالوضع فقط ، كما هو مذهب ابن أبي عقيل « 4 » ، فإذا نكحت غيره قبل تغسيله لم يمنع ذلك من تغسيلها . إلّا أنّ ذلك لا يتمّ بناء على ما هو المعروف من مذهب أصحابنا من العدّة بأبعد الأجلين . لكن قد يظهر من المصنّف في المعتبر مشهوريّة القول بجواز التزويج لها بمجرد الوضع بين أصحابنا ؛ لأنّه قال في الردّ على أبي حنيفة حيث منع من تغسيل الزوج زوجته معلّلًا ذلك بانقطاع عصمة النكاح بينهما ، فيحرم عليه النظر واللمس بدليل أنّه يجوز له نكاح أختها والأربع وغير ذلك : « واستدلال أبي حنيفة ضعيف ؛ لأنّا لا نسلّم أنّ جواز نكاح الأربع والأُخت يستلزم تحريم النظر واللمس ، فإنّ المرأة الحامل يموت زوجها فتضع ، ومع الوضع يجوز أن تنكح غيره ، ولا يمنعها ذلك من نظر الزوج ولا غسله ، ولا حجة في العدّة ؛ لأنّه لو طلّقها بائناً ثمّ مات فهي عدة ، ولا يجوز لها تغسيله » 5 انتهى . اللّهم إلّا أن يريد به [ ومع الوضع يجوز أن تنكح غيره ] الإلزام على ما عندهم ، لكنه لا يتّجه إلزامه بذلك لأبي حنيفة عند التأمّل . هذا كلّه مع فرض كون العدة عدة وفاة ، أمّا لو فرض أنّها عدّة طلاق رجعي فيشكل تصوّر الحكم المذكور فيه ، اللّهم إلّا أن يفرض أنّه مات في آخر العدة ثمّ خرجت عن العدة قبل أن تغسّله ، فإنّ لها أن تتزوّج حينئذٍ وتغسّله ، أمّا الأوّل فلخروجها عن العدّة ، وأمّا الثاني فلأنّه مات وهي زوجة له ، ويكون بُعد الفرض حينئذٍ لندرة اتفاقه . وفيه : أنّ الحكم في مثل [ هذا ] الفرض [ لزوم ] اعتدادها بعدة الوفاة حينئذٍ ، فليس لها التزويج ، كما سيأتي إن شاء اللَّه في محلّه ، فتأمّل .
هامش
( 1 ) الذكرى 1 : 311 . الروض 1 : 262 . الروضة 1 : 124 . جامع المقاصد 1 : 360 .
( 2 ) انظر الروضة ( حجرية ) : 53 ، عند قوله : « بل لو تزوّجت جاز لها تغسيلها » .
( 3 ) الحدائق 3 : 388 .
( 4 ) 4 ، 5 المختلف 7 : 521 . المعتبر 1 : 322 .