والمتّجه القول بالوجوب الكفائي مع وجوب مراعاة الأولويّة المذكورة ، فلا يجوز غسله ولا دفنه ولا تكفينه ولا غير ذلك من سائر أحكامه الواجبة بدون إذنه ، سيّما مع نهي الوليّ وإرادة فعله بنفسه أو من أراده ( 1 ) .
شرح
( 1 ) لظاهر النصوص والفتاوى والإجماعات السابقة في بعضها ، من غير فرق بين الصلاة وغيرها من الغسل وغيره ، وإن كان ربّما يشعر ترك بعضهم ذكر الوليّ في الأوّل مع إطلاقه الوجوبية الكفائية بعدمه .
وكيف كان ، فقد يشهد للمختار - مضافاً إلى ما سمعت - ما عساه يظهر للفقيه إذا طمح نظره في الكتاب والسنّة وفي أحوال السلف والخلف من سائر المسلمين ، بل غيرهم من الملّيين في جميع الأعصار والأمصار من القطع واليقين ؛ بأنّ الإنسان ليس كغيره من أفراد الحيوان ممّا لم يجعل اللَّه لأغلب أنواع الرحم فيه مدخليّة ، بل جعل له أولياء من أرحامه هم أولى به من غيره فيما كان من نحو ذلك ، بل لعلّه هو مقتضى نظام النوع الإنساني والمركوز في طبائعهم ، حتى لو أراد غير الوليّ فعل شيء من ذلك قهراً على الوليّ توجّه إليه اللوم والذم من سائر هذا النوع من غير نكير في ذلك . كما أنّه لو أراد الوليّ فعل ذلك قهراً على غيره لم يكن في نفس أحد من هذا النوع عليه شيء من ذلك الاعتراض والإنكار ، بل كان فعله هو المتلقى بالقبول عند ذوي البصائر والعقول .
وكأنّ ما ذكرنا من جميع ذلك مركوز في طبيعة النوع الإنساني ، والشرع أقرّه على ما هو عليه ؛ لموافقته في أغلب الأحوال للحِكَم والمصالح المترتّبة عليه ؛ لكون الوليّ أدعى من غيره لمصالح المولّى عليه في دنياه وآخرته ؛ لما بينهما من المشاركة في الرحم الذي جعله اللَّه مثاراً لذلك ، فيطلب له أحسن ما يصلحه من التغسيل والكفن ومكان الدفن والصلاة ونحو ذلك ، كما أنّه هو أشدّ الناس توجّعاً عليه فيما يصيبه من النوائب في الدنيا والآخرة ، ولأنّ ذلك أقطع للقيل والقال وإثارة النزاع عند تزاحم الإرادة والاختيار في هذه الأفعال ، إمّا رغبة فيما أعدّ اللَّه لذلك من الثواب والدرجات ، أو غيره ممّا يختلف باختلاف القصد والنيّات . وقد يكون المتوفّى ممّن يكسب المتولّي لمثل ذلك من أفعاله شرفاً يبقى في الأعقاب ، على ما يشعر به طلب الأنصار من أمير المؤمنين عليه السلام دخول قبر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم « 1 » . كما أنّه قد يكون ممّن له عداوة مع من أراد مباشرة هذه الأفعال منه ؛ بحيث يصل إلى الحرب بين أولياء الميّت وبينهم حذراً من التشفّي وغيره .
والحاصل : لا يخفى ما في القول بعدم وجوب مراعاة هذه الأولويّة في جميع ذلك من المفاسد العظام ، كما أنّه لا يخفى ما في المراعاة لها من المصالح التي يكفي بعضها في الإلزام على ما هو الموافق للكتاب ، كقوله تعالى :( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) *« 2 » ، وقوله تعالى :( وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ )« 3 » والنصوص من أهل البيت عليهم السلام . نعم لمّا كانت هذه الولاية تابعة لما عرفت من العلقة الرحمية ونحوها ، وكان ذلك مختلفاً باختلافه شدةً وضعفاً كشف الشارع عن بعضها وجعله أولى من غيره ، كما سيظهر لك إن شاء اللَّه في الصلاة على الميّت مفصّلًا .
وأمّا ما تقدّم سابقاً ممّا عساه ينافي ذلك [ كفائية وجوب تجهيز الميّت ] كالإشكال المتقدّم في وجوبه في هذه الأحكام مع إناطته برأي بعض المكلّفين ، فمدفوع : بأنّه لا منافاة بين وجوبه على سائر المكلّفين ؛ بمعنى حصول العقاب على الجميع مع إذن الولي
هامش
( 1 ) الوسائل 3 : 184 ، ب 24 من الدفن ، ح 2 .
( 2 ) الأنفال : 75 .
( 3 ) النساء : 33 .