. . . . . . . . . .
شرح
ووجه التنافي بين ذلك كلّه وبين ما قلناه من الوجوب الكفائي واضح ؛ إذ لا معنى لإناطة الواجب برأي بعض المكلّفين ، والفرض أنّه مطلق لا مشروط ، وهو الذي أشار إليه الشهيد في الروض - على ما حكي عنه تبعاً للمحقّق الثاني في جامع المقاصد ، حيث - قال فيه : « واعلم أنّ ظاهر الأصحاب أنّ إذن الولي إنّما يتوقّف عليها الجماعة لا أصل الصلاة ؛ لوجوبها على الكفاية ، فلا يناط برأي أحد من المكلّفين ، فلو صلّوا فرادى بغير إذن أجزأ » « 1 » انتهى .
وهو وإن ذكر ذلك في خصوص الصلاة لكنّه لا يخفى عليك جريانه في غيرها من أحكام الميّت التي ادعي فيها الوجوب الكفائي من التغسيل ونحوه . فقضية ذلك منهما [ الشهيد والمحقّق الثاني ] عدم اعتبار الإذن في صحّة ما وجب كفاية من أحكام الميّت ؛ لما تقدّم من التنافي .
ومن العجيب أنّ الشهيد بعد ما سمعته منه في الروض قال في المسالك في المقام : « لا منافاة بين الأولويّة ووجوبه على الكفاية ، وكذا توقّف فعل غير الوليّ على إذنه لا ينافي أصل الوجوب » « 2 » انتهى . ولم يذكر وجه عدم المنافاة . ولعلّه الذي أشار إليه في المدارك بعد حكاية كلام جدّه في الروض قال : « وقد يقال : إنّه لا منافاة بين الوجوب كفائيّاً وبين إناطته برأي بعض المكلّفين ، على معنى أنّه إن قام به سقط الفرض عن غيره ، وكذا إن أذن لغيره وقام به ذلك الغير ، وإلّا سقط اعتباره ، وانعقدت الصلاة جماعة وفرادى بغير إذنه » « 3 » انتهى .
وربّما ظهر من الرياض متابعته في ذلك أيضاً كما عن الذخيرة « 4 » .
وناقش فيه بعضهم « 5 » : بأنّ البحث ليس في سقوط الفعل عن الغير إذا قام به الوليّ أو نصب من قام به الوليّ ، ولا في سقوط اعتباره إذا امتنع عن الإذن والمباشرة ، إنّما البحث في أنّ مقتضى الوجوب الكفائي تعلّق خطابه بجملة المكلّفين على حدّ واحد ، وأنّه متى قام به بعضهم سقط عن الباقي ، ومقتضى إناطة الأمر به اختصاصه ومن قدّمه بذلك ، وأنّه متى أقيم بدون إذنه لم يكن مجزياً ، فالمنافاة بحالها حينئذٍ ، وكيف يتصوّر الوجوب المطلق على مكلّف مع اشتراط صحّة الفعل المكلّف به بما ليس من قِبَلِه كالإذن من شخص آخر ونحو ذلك ؟ ! نعم هو واجب مشروط ، فتأمّل .
ولعلّه لذا وشبهه بالغ المحدّث البحراني في حدائقه « 6 » وأخوه في إحيائه في إنكار الوجوب الكفائي على سائر المكلّفين ، بل هو مختصّ بالوليّ . نعم لو امتنع الوليّ مع عدم التمكّن من إجباره ، أو لم يكن وليّ انتقل الحكم حينئذٍ إلى المسلمين بالأدلّة العامّة ، زاعماً أنّ ذلك هو الظاهر من الأخبار المتقدّمة التي تعرّض فيها لذكر الوليّ ، مضافاً إلى ما عساه يشعر به زيادة على ذلك :
هامش
( 1 ) الروض 2 : 830 . جامع المقاصد 1 : 410 .
( 2 ) المسالك 1 : 80 .
( 3 ) المدارك 4 : 156 .
( 4 ) الرياض 4 : 150 . الذخيرة : 334 .
( 5 ) الحدائق 3 : 360 .
( 6 ) الحدائق 3 : 359 - 360 .