ثمّ إنّ ظاهر المصنّف بل كاد يكون صريحه لقوله : ( ولا تجمع بين صلاتين بوضوء واحد ) ( 1 ) عدم الفرق في ذلك بين الفرض والنفل ، فكما لا يجوز جمع فرضين بوضوء [ واحد ] كذلك الفريضة والنفل ( 2 ) . اللّهمّ إلّا أن يفرّق فيدّعى دخول نوافل كلّ فرض في اسمه ( 3 ) ، لكنّه ينبغي حينئذٍ اختصاص إرادته النوافل لكلّ فرض لا مطلق النوافل ( 4 ) . ومن ذلك كلّه ينقدح الكلام في شيء قد أشرنا إلى نظيره في المسلوس ، وهو أنّه هل يستباح بمثل هذا الوضوء باقي ما اشترط بالطهارة كمسّ كتابة القرآن ؟ وكذا الكلام بالنسبة إلى غاياته المستحبّة كقراءة القرآن وغيرها ، وما مقدار ما يستباح منه ؟ ولو أمكن القول بعدم نقض حكم هذا الوضوء بعد حصوله بمثل هذا الاستمرار للحدث لكان متّجهاً ( 5 ) وإن قلنا بوجوب تجديده هنا للفرض الثاني ( 6 ) .
شرح
( 1 ) مؤكّداً لما سبق من عبارته .
( 2 ) بل هو ظاهر معقد الشهرات والإجماعات المتقدّمة عدا الخلاف لتقييده عدم جواز الجمع بالوضوء الواحد للفرضين . بخلاف غيره فأوجب الوضوء لكلّ صلاة من غير تقييد ، وبه صرّح في المعتبر والمنتهى وجامع المقاصد والتذكرة « 1 » ، بل في الأخير : « لا تجمع المستحاضة بين صلاتين في وضوء واحد عند علمائنا ، سواء كانا فرضين أو نفلين » . ويدلّ عليه : 1 - مضافاً إلى ذلك [ الإجماع المنقول ] . 2 - وإلى أنّها مستمرّة الحدث ، فيقتصر على مقدار الضرورة المتيقّن استباحتها له ، وهو الفرض الواحد . 3 - الموثّق والصحيح المتقدّمان : « تصلّي كلّ صلاة بوضوء » « 2 » .
لكن قال في المبسوط : إنّه « إذا توضّأت المستحاضة للفرض جاز أن تصلّي معه ما شاءت من النوافل » وتبعه في المهذّب « 3 » ، وربّما كان قضية من لم يوجب معاقبة الصلاة للوضوء كالعلّامة في المختلف ، وتبعه العلّامة الطباطبائي في مصابيحه « 4 » . وهو - مع مخالفته لما سمعت - لا دليل عليه سوى بعض إطلاقات في الأمر بالوضوء لا تصلح لمعارضة ما تقدّم ، مع أنّه لا يقول بمقتضاها بالنسبة للفرضين .
( 3 ) فلا ينافيه حينئذٍ قوله عليه السلام : « كلّ صلاة بوضوء » سيّما بعد احتمال إرادة وقت كلّ صلاة ، بل قد يدّعى ظهوره .
( 4 ) ويؤيّده سهولة الملّة وسماحتها ؛ إذ في التجديد لكلّ ركعتين - كما يقتضيه التعميم المتقدّم - من المشقّة ما لا يخفى .
واحتمال عدم مشروعية النوافل بالنسبة إليها باعتبار أنّ طهارتها اضطرارية ولا ضرورة بالنسبة إليها ضعيف ، بل مقطوع بعدمه .
وقد يستأنس له مضافاً إلى ذلك ببعض ما دلّ « 5 » في غير هذه الحالة على جواز صلاتها الفريضة والنافلة بغسل واحد ، وبما ستسمعه من أنّ المستحاضة متى فعلت ما هو واجب عليها كانت بحكم الطاهر ، فتأمّل .
( 5 ) كما ادّعاه بعضهم في المسلوس « 6 » . وربّما يومئ إليه من جوّز الفصل بين الوضوء والصلاة بغير ما يتعلّق بالصلاة كالعلّامة في المختلف « 7 » ، ويأتي له تتمّة إن شاء اللَّه .
( 6 ) للدليل ، فتأمّل جيّداً .
هامش
( 1 ) المعتبر 1 : 250 . المنتهى 2 : 416 . جامع المقاصد 1 : 342 . التذكرة 1 : 285 .
( 2 ) تقدّما في ص 269 .
( 3 ) المبسوط 1 : 68 . المهذّب 1 : 39 .
( 4 ) المختلف 1 : 376 . مصابيح الأحكام : 241 .
( 5 ) كالرضوي الآتي في ص 271 .
( 6 ) المبسوط 1 : 68 .
( 7 ) المختلف 1 : 376 .