بجميع ذلك أنّها فاقدة التمييز لقصور الضعيف عن أقلّ الطهر لا يخلو من إشكال ونظر كما عرفت ( 1 ) .
ولا إشكال في التمييز بالنسبة إلى الصفات المستفادة من الأدلّة المتقدّمة سابقاً في الحيض والاستحاضة ( 2 ) .
شرح
( 1 ) ولعلّ مراد من اشترط ذلك أنّه لا يحكم بحيضيّة الأسودين وأنّ ما بينهما طهر إلّا أن يكون الضعيف أقلّ الطهر ، فتأمّل جيّداً ، فإنّي لم أعثر على تنقيح لذلك في كلامهم ، واللَّه أعلم .
ولعلّه لذلك ترك اشتراطه بعضهم كالمصنّف وغيره ؛ لبداهة بعض ما يخرج به واستغنائه باشتراط عدم تجاوز أكثر الحيض عن بعض آخر ، وإمكان منع غيرهما ، فتأمّل .
وربّما اشترط بعضهم - زيادة على ما تقدّم - عدم المعارضة بالعادة ، وكأنّ المصنّف استغنى عنه لفرضه المسألة في المبتدأة ، كما أنّه استغنى بفرضه الاشتباه بالاستحاضة عن اشتراط عدم الخروج من الأيسر ، بناءً على عدم خروج الحيض منه ، وكاستغنائه أيضاً بفرضه المسألة في المتجاوز عن العشرة عن اشتراطه التجاوز في الرجوع للتمييز .
وكذا ما اشترط بعدم المعارضة بصفة أقوى ، فإنّه ليس في الحقيقة شرطاً للتميّز أو الرجوع إليه ؛ لتحقّقهما مع المعارضة المذكورة ، لكنّها ترجع إلى الأقوى على القول به كما ستسمع . فنقول : إنّ بعضهم « 1 » اشترط في التمييز اختلاف الدم ، وكأنّه مستغنى عنه ؛ لعدم تحقّق التمييز بدونه .
( 2 ) لكن اعتبر بعضهم « 2 » هنا التمييز - مضافاً إلى ذلك - بالرائحة ، فذو الكريهة حيض ، وفاقدها استحاضة . ولم أعثر على ما يدلّ على ذلك ، نعم قيل « 3 » : إنّه تشهد به التجربة وبعض الأخبار العامّية « 4 » ، وفي الاعتماد عليهما نظر .
اللّهمّ إلّا أن يفهم من الأدلّة أنّ المدار على ظنّ الحيض . ولعلّه لذلك اعتبر بعضهم 5 القوّة والضعف بالنسبة إلى الصفات المنصوصة فجعل الأسود قويّاً بالنسبة للأحمر ، والأحمر قويّاً بالنسبة للأشقر ، والأشقر قويّاً بالنسبة إلى الأصفر والأكدر ، والأصفر قويّاً بالنسبة للأكدر أيضاً ، بل ربّما اعتبر القوي بالنسبة إلى غير اللّون من الصفات كالحرارة ونحوها ، فجعل الأقوى حرارة مثلًا مقدّماً على ضعيفها .
ومنه ينقدح اعتبار القوّة أيضاً في اللّون الواحد كالأشد سواداً بالنسبة إلى الأسود ، كما أنّه صرّح بأنّ ذا الثلاثة قويّ بالنسبة لذي الاثنين ، وهو قويّ بالنسبة لذي الواحدة ، وهو قويّ بالنسبة للفاقد .
أمّا لو اتّصف بعض بصفة وآخر بأخرى احتمل الترجيح بالتقدّم وعدمه ، أو الترجيح بالنسبة إلى الصفتين إن أمكن ، كما أنّه ينبغي مراعاة الميزان أيضاً عند تعارض القوّة والأجمعيّة . وفي اعتبار شيء من ذلك ممّا لا يرجع إلى النصوص نظر وتأمّل .
ودعوى استفادة اعتبار مطلق الظنّ منها - لاختلاف أخبار الصفات ، وما عساه يشعر به ذيل مرسل يونس الطويل وغيره - ممنوعة ، مع المناقشة في حصولها في بعضها ، كدعوى ابتنائه على حجّية كلّ ظنّ حصل للمجتهد ؛ إذ أقصى ما يسلّم منه فيما كان منصب المجتهد كالأحكام الشرعية والوضعية التي هي كذلك ، لا الشيء الذي هو وغيره فيه على حدّ سواء ، فتأمّل جيّداً .
هامش
( 1 ) القواعد 1 : 213 .
( 2 ) 2 ، 5 نهاية الإحكام 1 : 135 .
( 3 ) كشف اللثام 2 : 73 .
( 4 ) كنز العمال 9 : 408 ، ح 26727 .