ثمّ إنّ الظاهر مساواة الظنّ الذي لم يقم على اعتباره دليل شرعي للشكّ في هذا الحكم ( 1 ) .
[ ويقيّد اعتبار الشكّ في المقام بما لم يكن كثيراً ] ( 2 ) .
شرح
( 1 ) كما هو قضية المقنعة والغنية والمراسم والكافي والسرائر والمعتبر والمنتهى « 1 » وغيرها ، بل لعلّه مراد من اقتصر على التعبير بالشكّ في المقام وإن بعد بالنسبة إلى عبارات المصنّفين ؛ لمخالفته للحقيقة الاصطلاحية عندهم . نعم ، لا يبعد دعوى شمول الرواية المتقدّمة التي هي دليل الحكم له ؛ لما تقدّم لك سابقاً أنّه في اللغة للأعمّ منه ومن الظنّ . وكيف كان فلا ريب في المساواة في المقام : 1 - لأصالة عدم الفعل . 2 - ووجوب تحصيل اليقين بالطهارة . 3 - مع عدم دليل على الاكتفاء بالظنّ هنا ، وحمله على الصلاة - بعد تسليمه فيها - قياس لا نقول به .
( 2 ) وليعلم أنّ جمعاً من الأصحاب قيّدوا اعتبار الشكّ في المقام بما لم يكن كثيراً ؛ منهم ابن إدريس في السرائر ، والشهيد في الذكرى ، والمحقّق الثاني في شرح القواعد ، والسيّد في المدارك ، والفاضل الهندي في كشف اللثام ، والخوانساري في شرح الدروس « 2 » ، وغيرهم من متأخّري المتأخّرين . بل لا أجد فيه خلافاً كما في الصلاة ، ولعلّه للعسر والحرج . ويؤيّده التعليل الوارد في أخبار الصلاة كما في صحيحة زرارة وأبي بصير فيمن كثر شكّه في الصلاة - بعد أن قال عليه السلام :
« يمضي في شكّه » : - « لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه ، فإنّ الشيطان خبيث ، يعتاد لما عوّد » « 3 » . وبه يظهر وجه دلالة صحيحة عبد اللّه بن سنان ، قال : قلت له عليه السلام : رجل مبتلى بالوضوء والصلاة ، وقلت : هو رجل عاقل ، فقال الصادق عليه السلام :
« وأيّ عقل له وهو يطيع الشيطان ؟ فقلت له : وكيف يطيع الشيطان ؟ فقال : سله ، هذا الذي يأتيه من أيّ شيء ، فإنّه يقول لك : من عمل الشيطان » « 4 » .
فإنّ الظاهر أنّ المراد بابتلائه كثرة الشكّ ، على أنّ كثرة الشكّ من الشيطان كما ظهر لك من الرواية السابقة . وبذلك كلّه تقيّد صحيحة زرارة المتقدّمة لو سلّم شمول لفظ الشكّ فيها لنحو ذلك ؛ لظهور انصرافه في الشكّ الموافق لأغلب الناس . على أنّ المواجه بالخطاب فيها [ صحيحة زرارة ] خاص لم يعلم كونه كذلك [ كثير الشكّ ] ، ولا إجماع على التعميم ، بل قد عرفت عدم الخلاف في عدمه [ عدم التعميم ] . وقد يشير الاكتفاء ببرد الماء الذي لم يوصل إلى حدّ القطع [ بالغسل ] في مرسل أبي يحيى الواسطي إلى ما نحن فيه ، قال : قلت للصادق عليه السلام : جعلت فداك ، أغسل وجهي ثمّ أغسل يدي ، ويشكّكني الشيطان أنّي لم أغسل ذراعي ويدي ، قال :
« إذا وجدت برد الماء على ذراعك فلا تعد » « 5 » ، وكأنّ مفهوم الشرط فيه غير مراد [ لأنّ مفهومه هو اعتبار شكّ كثير الشكّ فيما إذا لم يحسّ ببرد الماء وهو غير مقصود قطعاً ] ، فتأمّل جيّداً .
وقد أشبعنا الكلام في باب الصلاة ببعض المباحث المتعلّقة بكثير الشكّ ، كالبحث عن مقدار ما به يتحقّق وما به يزول ، وأنّ المراد منه بالنسبة إلى كلّ جزء أو يكفي تحقّقه ولو في جزء وغير ذلك ، فلاحظ وتدبّر .
هامش
( 1 ) المقنعة : 49 . الغنية : 61 . المراسم : 40 . الكافي : 133 . السرائر 1 : 104 . المعتبر 1 : 172 . المنتهى 2 : 142 .
( 2 ) السرائر 1 : 104 . الذكرى 2 : 204 . جامع المقاصد 1 : 237 . المدارك 1 : 257 . كشف اللثام 1 : 587 . المشارق : 140 .
( 3 ) الوسائل 8 : 228 ، ب 16 من الخلل الواقع في الصلاة ، ح 2 ، وفيه : « معتاد » بدل « يعتاد » .
( 4 ) الوسائل 1 : 63 ، ب 10 من مقدّمة العبادات ، ح 1 .
( 5 ) الوسائل 1 : 470 ، ب 42 من الوضوء ، ح 4 .