تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 613

مساهمون:

ص٦١٣
. . . . . . . . . .
شرح
وفي الذكرى : « أنّ أهل اللغة يقولون : دهن المطر الأرض إذا بلّها بللًا يسيراً » « 1 » . وقد تحمل الروايات عليه ، وليس فيها ما ينافي ذلك ، فمنها : قوله عليه السلام في صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم : « إنّما الوضوء حدّ من حدود اللَّه تعالى ليعلم اللَّه من يطيعه ومن يعصيه ، وأنّ المؤمن لا ينجّسه شيء ، إنّما يكفيه مثل الدهن » « 2 » . و [ منها ] : قوله عليه السلام في رواية محمّد بن مسلم : « يأخذ أحدكم الراحة من الدهن ، والماء أوسع من ذلك » « 3 » . و [ منها ] : قوله عليه السلام في الغسل والوضوء : « ويجزي منه ما أجرى من الدهن الذي يبلّ الجسد » « 4 » . بل الرواية الأخيرة كادت تكون كالصريحة فيما ذكرنا من التأويل [ وهو ما كان بإجراء المكلّف ] . وكأنّ هذه الأخبار [ أي أخبار الدهن ] يراد منها المبالغة في عدم احتياج الوضوء إلى ماء كثير ، وأنّه لا ينبغي الإسراف فيه زيادة على الإسباغ . وكون هذه الأخبار حينئذٍ لم تفد لنا حكماً جديداً ، يدفعه : مع أنّه ليس في ذلك بأس قد يقال : لولا هذه الأخبار لأمكن القول بعدم إجزاء مثل هذا الفرد [ الذي هو مثل الدهن ] من الغسل ؛ لكونه من المطلق الذي ينصرف إلى الفرد الشائع منه ، وليس منه ذلك قطعاً ، بل كأنّ ملاحظة الوضوءات البيانيّة ونحوها ممّا يشرف الفقيه إلى القطع بعدم جوازه [ الدهن ] ، فيكون هذه الروايات أفادت الاكتفاء بأقلّ أفراد مسمّى الغسل الذي هو كالدهن . واحتمال القول ببقاء الدهن فيها على حقيقته ، لكن العرف في ذلك الزمان غيره في هذا الزمان في غاية البعد جدّاً ، بل لا ينبغي أن يلتفت إليه ؛ إذ المرتضى رحمه الله في زمنه ادّعى أخذ الجريان في مفهومه « 5 » [ الغسل ] ، وهو قريب من زمانهم عليهم السلام ، ك‍ [ بعد ] حملها على إرادة الاجتزاء بمثل الدهن عند الضرورة ، وأنّه يقدّم على التيمّم . وقد يظهر ذلك من كلام الشيخين « 6 » في باب غسل الجنابة ، سيّما المفيد في المقنعة ؛ إذ هو بعيد جدّاً من مضامين تلك الروايات ؛ لظهور كثير منها [ في ] إرادة الاجتزاء بها في الاختيار . وربّما ايّد ما ذكراه [ الشيخان ] بما قيل من صحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه عليهما السلام حيث سأله عن الرجل الجنب أو على غير الوضوء لا يكون معه ماء وهو يصيب ثلجاً وصعيداً ، أيّهما أفضل أيتيمّم أو يمسح بالثلج ؟ قال : « الثلج إذا بلّ جسده ورأسه أفضل ، وإن لم يقدر على أن يغتسل به فليتيمّم » « 7 » . قيل « 8 » : ونحوها رواية معاوية بن شريح « 9 » . وفيه : - مع اشتماله على خلاف المدّعى من التخيير بينه [ مثل الدهن ] وبين التيمّم عند الضرورة - أنّه يحتمل أن يريد المسح مع الجريان . والأفضلية [ أي أفضليّته من التيمّم ] إمّا في ضمن الوجوب ، أو للمشقة التي تجوّز التيمّم .
هامش
( 1 ) الذكرى 2 : 129 . ( 2 ) الوسائل 1 : 484 ، ب 52 من الوضوء ، ح 1 . ( 3 ) الوسائل 1 : 391 ، ب 15 من الوضوء ، ح 7 ، مع اختلاف يسير . ( 4 ) الوسائل 1 : 485 ، ب 52 من الوضوء ، ح 5 ، وفيه : « ما أجزأ » بدل « ما أجرى » . ( 5 ) الناصريات : 145 - 146 . ( 6 ) المقنعة : 53 . النهاية : 22 . ( 7 ) الوسائل 3 : 357 ، ب 10 من التيمّم ، ح 3 ، مع اختلاف يسير . ( 8 ) الحدائق 2 : 225 . ( 9 ) الوسائل 3 : 357 ، ب 10 من التيمّم ، ح 2 .