نعم ، قد يقال : إنّ الغسل يختلف صدقه بالنسبة إلى العرف ، فمنه ما لا يتحقّق إلّا بالجريان ، ومنه ما يتحقّق بالإصابة ، كما في الغسل بالنسبة إلى المطر أو وضع المغسول في الماء ( 1 ) .
شرح
( 1 ) كما ينبئ عنه اكتفاؤهم في غسل المجبّر بوضعه في إناء فيه ماء حتى يصل الماء إلى البشرة ، وظاهرهم هناك أنّ ذلك لأنّه غسل ، لا تعبّد شرعي .
وكيف كان ، فالذي يدلّ على عدم الاكتفاء بماء لا جريان فيه [ ما يلي ] :
1 - مضافاً إلى ما سمعت من عدم صدق اسم « الغسل » .
2 - ظواهر الوضوءات البيانيّة .
3 - وخبر زرارة : « الجُنُب ما جرى عليه الماء من جسده قليله وكثيره فقد أجزأه » « 1 » . ولا قائل بالفرق بين الغسل والوضوء .
4 - وقوله عليه السلام في صحيحه أيضاً : « كلّ ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يطلبوه ولا يبحثوا عنه ، ولكن يجرى عليه الماء » « 2 » .
5 - وصحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه عليهما السلام قال : سألته عن الرجل لا يكون على وضوء ، فيصيبه المطر حتى يبتل رأسه ولحيته وجسده ويداه ورجلاه ، هل يجزيه ذلك من الوضوء ؟ قال : « إن غسله فإنّ ذلك يجزيه » « 3 » .
6 - ولأنّه لو لم يأخذ الجريان في مفهومه لم يحصل الفرق بين الغسل بالماء والمسح به ، مع أنّ كون الوجه واليدين في الوضوء من المغسولات ، والرأس والرجلين من الممسوحات ممّا كاد يكون من الضروريات ، وعلى ما تقدّم [ من عدم أخذ الجريان في مفهوم الغسل ] يمكن أن يكون جميع أجزاء الوضوء من الممسوحات ، وهل هذا إلّا من الخرافات ؟
7 - وكيف ؟ ! وقد ورد « أنّه يأتي على الرجل ستّون أو سبعون سنة ما قبل اللَّه منه صلاة ، قلت : وكيف ذلك ؟ قال : لأنّه يغسل ما أمر اللَّه بمسحه » « 4 » .
8 - هذا ، مع أنّ تغايرهما [ الغسل والمسح ] من الواضحات التي لا تقبل التشكيك .
وكأنّ الذي أدخل الشكّ على بعض الأعلام أخبار الدهن ، لكن لا ينبغي لذلك ارتكاب ما هو بديهي البطلان . ومن هنا عدل بعض المتأخّرين « 5 » عن تلك الدعوى ، وادّعى أنّه يمكن القول بالاجتزاء بها [ أخبار الدهن ] لاعتبار أسانيد بعضها ، لا لأنّه غسل ، بل لأنّه أمر اكتفى به الشارع وإن لم يسمّ غسلًا ، فيكون الواجب بالنسبة إلى الوجه واليدين أحد أمرين : الغسل أو الدهن . وتحمل حينئذٍ جميع الأوامر الواردة في الكتاب والسنّة التي كادت تكون صريحة ، بل هي صريحة في إرادة الوجوب العيني [ للغسل ] لمقابلته بالمسح على إرادة التخيير . وكذا نحو قوله : « الوضوء غسلتان ومسحتان » 6 على إرادة الوضوء غسلتان أو دهنتان . أو أربع مسحات ، إن قلنا : إنّ الدهن مسح على ما هو الظاهر . وذلك ممّا لا يرتكبه من له أدنى معرفة في الفقه . بل الظاهر أنّه مخالف للإجماع . ومن هنا أشار المصنّف وغيره كابن إدريس والعلّامة والشهيد « 7 » إلى تأويل هذه الروايات بإرادة أنّه يجزي من الغسل ما كان بإجراء المكلّف كالدهن بحيث تنتقل من محلّ إلى آخر .
هامش
( 1 ) الوسائل 2 : 240 ، ب 31 من الجنابة ، ح 3 .
( 2 ) الوسائل 1 : 476 ، ب 46 من الوضوء ، ح 2 .
( 3 ) الوسائل 1 : 454 ، ب 36 من الوضوء ، ح 1 .
( 4 ) 4 ، 6 الوسائل 1 : 418 ، 420 ، ب 25 من الوضوء ، ح 2 ، 9 .
( 5 ) المدارك 1 : 235 - 236 .
( 7 ) السرائر 1 : 100 - 101 . المنتهى 2 : 36 . الذكرى 2 : 129 .